تفرض الكثير من الموروثات الاجتماعية خاصة المتعلقة بمراسم الزواج، التمسك بعادات بالية تستنزف طاقات وجهود الشباب الحالمين بإتمام نصف دينهم. وتقود تلك الموروثات التي تتمسك بها غالبية الأسر العربية من باب الوجاهة الاجتماعية بانهيار البورصات، أو شكوى الحكومات من عجز ميزانياتها، أو حتى انتحار آلاف الشباب، بسبب فشلهم في تدبير تكاليف طقوس ومراسم حفلات الزفاف.
ويتعامل المجتمع المحلي كغيره في دول عربية أخرى برغم الظروف الاقتصادية الصعبة، مع حفل الزفاف على أنه ضرورة ووجاهة اجتماعية، ليصل الأمر إلى الإسراف المُبالغ فيه للحصول على ليلة العمر المذهلة، ..
وتؤكد خبيرة التنمية البشرية رانيا الماريا، أن ما ينفق في مصر سنويًا يقارب 40 مليار جنيه لإتمام مراسم الزفاف، ولا يعتبر الرقم خرافيًا، أوجزافيا لأنه صادر من إحصاءات لمؤسسات بحثية حول الأوضاع الاجتماعية.
وكشف تقرير آخر عن الجامعة الأميركية بالقاهرة، أن تكاليف حفلات الزفاف محليًا ارتفعت بمعدلات قياسية متجاهلة حالة التراجع القاسية التي يعاني منها الاقتصادي الوطني وضعف القيمة الشرائية للجنيه، ما انعكس سلبًا على عدد من الشباب والفتيات غير القادرين على توفير متطلبات الزواج بسبب الظروف السيئة، وارتفاع تكاليف الزفاف في غضون السنوات العشر الماضية بنحو 25%.
وتتسبب المبالغة في تكاليف حفل الزفاف في آثار سلبية تنعكس لاحقًا على الحياة الزوجية وقد تنتهي بالطلاق، بسبب الضغوط التي يواجهها الزوج خلال سعيه لسداد الأموال التي استدانها كي يضمن لعروسه مراسم وحياة زوجية حالمة لتتباهي أسرتها بذلك أمام الآخرين.
عادات بالية
وتحدث الشاب عمر أنور عن تجربته: «سبق أن خطبت فتاة كانت زميلتي في الجامعة، وعشنا قصة حب طوال سنوات الدراسة، وبعد تخرجي في الجامعة تقدمت لطلب يدها، فاشترط والدها عليّ إقامة حفل زفاف في فندق معين، لأن عائلتهم لا تقبل أن يتم الزفاف من دون حفل كبير..
وبالفعل وافقت لأنني كنت أريد عقد قراني، وأثناء فترة الخطوبة وتجهيز مستلزمات الزواج بدعم من والدي، فوجئت بأن ميزانيتي لن تسمح بإقامة الحفل، وحينما أخبرت أهل خطيبتي فوجئت برد فعلهم غير المتوقع، حيث استشاطوا غضباً لدرجة أن هددني والدها بفسخ الخطوبة، وبالفعل فسخناها قبل الزفاف بشهرين فقط بسبب عادات وتقاليد مجتمع بالية.
ويقول ماهر أبو المعاطى«33 عاما»: «تزوجت منذ ثلاث سنوات، والحقيقة أنني كنت من أشد المعارضين لإنفاق مبالغ مادية كبيرة على أمور تتعلق بالوجاهة الاجتماعية، ليس أكثر من دون أي إضافة للعروسين، وأثناء فترة الخطوبة كنت غير راغب في إقامة حفل زفاف واتفقت وزوجتي أن نسافر بالمبلغ إلى أي بلد في الخارج بدلاً من المظاهر الكذابة....
إلا أن أسرتي وأسرة زوجتي رفضوا، وأصروا على أن نقيم حفلًا كبيرًا يدعى له كل الأقارب والأصدقاء، وبالفعل أقمنا الحفل إرضاء لرغبتهم، وظللت عامين أسدد الديون التي أثقلت كاهلي، إضافة إلى الضغوط المادية الكبيرة التي تعرضت لها مع وزوجتي بعد زواجنا مباشرة، والتي شكلت عبئًا قاسيًا نغص علينا أحلى سنوات الزواج».
شقّا الرحى
وترى أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق دكتورة هدى زكريا، أن المشكلة الحقيقية تكمن في تلك الموروثات الاجتماعية البالية وغير المنطقية في ظل ارتفاع تكاليف الزواج والمغالاة الشديدة في المهور، وما يتبع ذلك من ارتفاع أسعار حفلات الزفاف، والتي كانت في السابق لا تشكل أي أعباء مادية على العريس أو العروس.....
ورغم أنها بسيطة، فإنها ممتعة في الوقت نفسه، وغالبًا ما تتم في المنزل وتسعد العروسين وأسريتهما، والآن في ظل انتشار الإعلام والدراما والترويج غير المبرر لحفلات الزفاف التي تقام لكبار رجال الأعمال، فإنها تستفز المواطن البسيط وتوقعه بين شقي الرحى، فإما أن يستجيب الشاب لطلبات أسرة عروسته أو يسقط من نظرهم ويلغي فكرة الزواج.
وللأسف أصبح هناك إسراف شديد في تكاليف الحفلات، من دون مراعاة لظروف الشباب والتي قادت الكثيرين للانتحار.. والمطلوب من الشاب والفتاة تحديد الميزانية التي تقودهما لتجهيز مراسم الزفاف، وإلا يتركا نفسيهما للرغبات التي تقودهما لتجهيزات مبالغة، مع الحرص على السقوط في شرك الديون.
مظاهر خادعة
وتؤكد أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس أمينة كاظم، أن المظاهر الخادعة للأسف باتت هاجسًا وجزءًا من تقاليد المجتمع الشرقي، وكأنه من العار ألا يقيم العروسان فرح يتباهيان به أمام أقاربهما وأهلهما، ويجب القضاء على هذه العادة التي تؤرق عقول الشباب وتمثل عبئا لا داعي له، وأن نعود إلى حفلات زواج الزمن الماضي البسيط، التي كانت تملؤها الفرحة والبهجة.
وكحل للمشكلة لابد من التوسع في إقامة حفلات الزفاف الجماعي لتقليل التكلفة بقدر الإمكان، خاصة وظروف الشباب الحالية لا تسمح بإقامة أي حفلات باهظة، وهناك الكثير من الزيجات لم تتم بسبب إصرار أهل العروس على إقامة حفل زفاف باهظ التكاليف، وهو الأمر الذي انعكس سلبًا، ما أدى لتزايد أرقام العنوسة والانتحار على السواء.


