صناعة غريبة تمتهنها وتبرع فيها فلسطينيات كثيرات من قرية دير أبو مشعل غرب رام الله، اللاتي يجتمعن معاً أو يعملن بشكل منفرد في صناعة غطاء الرأس الذي يرتديه اليهود المعروف بـ«القلنسوة»، ويعتبرن تلك المهنة مصدر رزق لهن في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة في الأراضي المحتلة من جهة، أو من باب الانشغال في الحياكة أثناء ممارسة العادة المحببة لدى النساء، والمتمثلة في تجاذب أطراف الحديث التي لا تنتهي خلال ساعات النهار، حتى لو كان ناتج ذلك قلنسوات يهودية تحاك بأيد فلسطينية.
وتختلف دوافع الانخراط في المهنة لدى أولئك النسوة وغيرهن في مناطق أخرى بالضفة الغربية، خاصة تلك التي باتت مجاورة بشكل قريب جدا للمستوطنات الاسرائيلية، وتختلف رؤيتهن للصناعة المستهجنة لدى الكثيرين، نظرا لارتباطها بشكل مباشر بيهود الاحتلال في ظل الصراع اليومي الجاري بالأرض على الصعد كافة.
وأم جميل التي تعمل في حياكة القلنسوات منذ 20 سنة حتى أصبحت أصابعها بارعة في استخدام خيوط الصوف وإبر الكروشية لإنجاز القلنسوة على شكل قرص دائري تقول: «بعد ما أخلص شغل البيت طول النهار، أعمل في حياكة الطواقي الصغيرة لليهود، احيانا لحالي في البيت او بروح عند جاراتي، أو همي بيجو عندي، واذا كان الطقس منيح بنقعد باب البيت في هالشمس، بنشتغل وبنكسب رزقنا ورزق ولادنا وبنتسلى وبنضيع وقت».
وحول استهجان المجتمع الوطني للمهنة تؤكد أم جميل «هاي المهنة لكسب الرزق، الأوضاع الاقتصادية صعبة والاسعار غالية والشغل مش موجود، بعدين مثلها مثل أي شغل ثاني، عدد كبير من العمال الفلسطينيين بشتغلوا في اسرائيل ليش ما حد بنتقدهم، مثلنا مثلهم».
منافسة صينية
وفي السياق ذات تقول جارتها فاتن التي تعلمت الحياكة حديثا «ما بهمني مين بتقبل او ما بتقبل، المهم أنا بشتغل على شان أكسب رزقي، على شان اساعد جوزي في توفير لقمة العيش لاولادي» وعند سؤالها لماذا لا يصنعن بدلا من القلنسوة، الكوفية الفلسطينة والأزياء الشعبية الوطنية؟ قالت: «الأزياء الفلسطينة المصنوعة في الصين، معروضة في كل أسواقنا المحلية وبأسعار أقل، احنا ما بنقدر ننافسها لانو التكلفة علينا غالية، والأسعار بتطلع غالية، والتجار بيفضلوا أسعار الصين على اسعارنا، والناس بتفضل الصيني قليل التكلفة على التطريز اليدوي غالي التكلفة، اما طاقية اليهود فسوقها مفتوح وصناعتها سهلة والربح فيها معقول».
وعلى النقيض من ذلك تقول ليلى التي تشاركهن الحياكة «بصراحة انا وفي مثلي كثير بنتأثر خصوصا لما يكون الجو موتر وفي شهداء ومواجهات وجرحى، ولما نشوفهم بقطعوا في هالزتون وبيعتقلوا وبيداهموا البيوت الواحد بيتقطع قلبه، بس لو بدنا نبطل الفقر ما بيرحمنا، والاهم انو احنا بنصنع طواقي ما بتضرنا احنا الفلسطينية لا في الحرب ولا في السلم».
موسم مربح
وتعتبر الفلسطينيات صانعات القلنسوة الأعياد اليهودية المختلفة والكثيرة على مدار العام موسماً مربحا نظرا لزيادة الطلب على ما يصنعنه من قلنسوات ملونة مرتفعة السعر، أو البيضاء أو السوداء متوسطة السعر، وتستطيع الواحدة منهن انتاج 4- 8 قلنسوات يوميا بحسب ساعات عملهن المتواصلة والمتقطعة، وتباع الواحدة منها بين 15 – 30 شيكل، وهو مبلغ مجد خاصة للعائلات التي تجيد كل نسائهن حياكة القلنسوات، مثل ام ربيع التي نقلت الحرفة لبناتها الأربع وزوجات ابنائها الثلاث.
ونساء دير أبو مشعل اوغيرهن في باقي القرى بالمحافظة نفسها أو غيرها من المحافظات لا يجدن أي صعوبة في تسويق ما يصنعنه من اغطية للرأس، فهناك سمسار معروف في كل منطقة يجلب لهنّ خيوط الحرير أو الصوف والأبر اللازمة والنماذج المطلوبة، ويقوم بتسويق إنتاجهنّ وبيعه لربّ عمله في المستوطنة القريبة من المنطقة نفسها، الذي يقوم بدوره بتوزيعها على المتاجر المتخصصة في بيعها داخل اسرائيل، أو حتى تصديرها لليهود في الخارج، من خلال عملية متواصلة تتكرر كل أسبوع مرة واحدة على الأقل.
عملية اختراق
وصف أحد الناشطين عمل فلسطينيات الضفة في حياكة قلنسوات اليهود بعملية اختراق للمجتمع الاسرائيلي، فهن لا يذهبن إلى الأراضي المحتلة لبيع انتاجهن، بل المسألة تتم عبر وسطاء.
والأمر غاية في التعقيد بعد أن أصبح العمل في الأزياء الوطنية صعبا في ظل المنافسة الصينية التي أغرقت الأسواق وبأسعار زهيدة جدا، في الوقت الذي تقف فيه الحكومة مكتوفة الأيدي، وعاجزة عن منع إغراق السوق بالمنتجات الوطنية المصنوعة بأيد صينية. والسؤال من يؤمن لقمة العيش لأولئك النسوة في ظروف الاقتصاد المتردي؟