استمر استخدام الطابون الفلسطيني في صناعة الخبز خلال السنوات العشرين الأخيرة، إلا أنه الآن بدأ بالتراجع شيئاً فشيئاً حتى قارب على الانقراض، متحولاً من طريقة أصيلة لصنع الخبز إلى تراث وحكايات للأجيال.

لتنسج ذاكرة الآباء والأجداد في أحاديثهم عنه، صورة لأبنائهم عن رائحة طيبة تميزه بمذاق لا تضاهيه متعة، وباتت تلك الرائحة العالقة في أذهان من عايشوه لارتباطها بذكريات طفولتهم ولعبهم، وبالأحداث التي مرت على الأرض.

عدد قليل من الجدات يتمسكن بماضيهن وتاريخهن وعاداتهن وتقاليد الوطن، فلا يزلن مع طوابينهن واقعاً لا ذكرى، يستعن بدفئه المشتعل بصور ما قبل الاحتلال على قساوة الحياة وبردها الآن.

الجدة أم العبد «76 عاماً» من قرية دير جرير بالقرب من رام الله واحدة منهن.

وقفت تحمل على رأسها «صينية قش» عليها عجينة خبز أعدته قبل ليلة حتى «يتخمر»، ومن ثم مشت نحو «طابونها» الذي شيد بطرف البيت عام 1967 ولا يزال حتى اليوم مشتعلًا، وجاهزاً للخبز والشواء والطهي، لم يخمد «جمره» يوماً منذ أن تم بناؤه، تمشي نحوه بثوبها الفلسطيني مسدولاً «و» خرقتها تغطي رأسها، بابتسامتها الهادئة ووجها الطبيعي الصافي، لتحدثنا عن الطابون وكيفية صنعه وآلية عمله.

الطابون وإشعاله

تقول عنه إنه يتكون من غرفة صغيرة مبنية من الحجارة بشكلها الطبيعي، دبش أو طوب، ومسقفة من أعلاها بخشب وعيدان من فروع وأغصان الشجر أو التنك، وسطحه مغطى بالطين المخلوط بالتبن، وفي وسط غرفة الطابون تقريباً تحفر «جوره» بحجم ما يسمى «قحف الطابون».

وهو وعاء نصف دائري مجوف ومفتوح من الأسفل بكامله وله فتحة دائرية من الأعلى، تسمى باب الطابون، تكون بحجم رغيف الخبز الكبير بقطر 40 سم تقريباً، مصنوع من طين الكلالة، ويحاط جسم الطابون من الخارج بالرماد والنار والوقود وهو «الزبل» الذي يؤخذ عادة من روث الحيوانات كالغنم والبقر والجمال والقصل من عقد نباتات القمح والشعير بعد درسه، والجفت وهو ثمر نوى الزيتون بعد عصره.

و يزاح الرماد عن غطاء باب الطابون المحكم والمصنوع من التنك المثبت فيه مقبض حديدي لوضع العجين بداخله، أو إخراج رغيف الخبز بعد نضوجه، يزاح بواسطة قطعة خشب تسمى المقحار، بحيث يغطي الرماد المشتعل، وهو قحف الطابون بالكامل، حتى يعطى الحرارة لكافة أنحائه وأجزائه الداخلية وما فيه من رضف «حجارة صغيرة في جوف الطابون يوضع العجين عليها».

ويشار إلى أن هذا الطابون يبقى مشتعلاً على الدوام بإضافة «الزبل والجفت»، فتبدأ النار رويداً رويداً بحرق القش والزبل دون الاشتعال، حيث يتصاعد الدخان ويصبح وقوداً جمراً محيطاً بقحف الطابون من جميع جهاته ومن أعلاه، فيصبح الطابون جاهزاً للخبز.

مهمة صعبة

تقول أم العبد: «طابوني من زمان موجود، وقبله كنت أخبز في طابونين، تزوجت وعندي 19 سنة، وعمري الآن 78 سنة، ومن يومها وأنا خبازة طابون، وبخبز كل يوم مرة الصبح والثانية المغرب، بعد ما أشعل الطابون بالزبل والجفت. وعملية إبقاء الطابون مشتعلاً والخبز داخل غرفته شديدة الحرارة مهمة صعبة، ومعظم النساء تركن الطابون، وذهبن لأفران الغاز وشراء الخبز الجاهز.

وأنا متمسكة بطابوني» وتضيف أم العبد: «أنا علي ما هو صعب ، وما بحبش أخبز إلا على الطابون، وزوجة ابني بتقولي بدناش نتعبك، خلينا نخبز على فرن الغاز، وأنا بقلها: لا، طول ما أنا موجودة بدنا نظل نخبز على هالطابون».