ساعة الساحة تضبط مواعيدها على زمن آخر، مزدحم بالقلق والدقات المنبئة بالخطر على المستقبل، وهي تعد الساعات التي تفصلها عن «الساعة الصفر» الرئاسية، علها تكون مقدمة لزمن لبناني أفضل. وجلسة تلو أخرى، لا يزال نواب لبنان متكيفين مع عدم اكتمال النصاب القانوني لانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، في حين يفتقد مقر الرئاسة الأولى «عجقة» الزوار..
ولم يبق في زواياه إلا الانتظار القارص.. وحده موقعه المحاط بالأشجار «يتفرج» على العاصمة من بعيد، ويتابع ما يدور في كواليسها. يطل على الجمهورية «المعلقة»، فيما هو محاط بعيون العالم كله إلى أجل غير مسمى! هو الفراغ الذي لا يليق بالمكان.. أضواء القصر لا تزال مطفأة، لأن الحل تأخر في الوصول إليه.
السارية عارية في الباحة الرئيسية للقصر، لأن من يُرفع له العلم ولا يوشح إلا أمامه ليس موجوداً، ولا وجود لأعلام دول عربية أو أجنبية اعتادت وجودها الساريات الأخرى الملاصقة. كذلك، أنزِل العلم الذي يرفع فوق جناح إقامة الرئيس، لأن المقيم ليس موجوداً أيضاً.
البركة في وسط الباحة ركدت مياهها، والنافورة التي كانت ترتفع إيذاناً بوجود الرئيس في مكتبه أقفِلت وجفت إلى أجل غير مسمى.. مكتب الرئيس، الذي يفتح عادةً ببطاقة ممغنطة ذات أرقام سرية، فقد أقفِل وتبدلت أرقام البطاقة، ولن يفتح إلا للرئيس الجديد، عندما يأتي..
حيث لا تزال صورة الرئيس ميشال سليمان معلقة في المكتب، إلى حين صدور مذكرة رسمية تقضي باستبدالها بصورة خلفه. أما «حامل الراية»، المكلف حماية الرئيس، وهو من عناصر الحرس الجمهوري، فقد تبدلت مهمته وجلس وراء مكتب استقر أمام المدخل المقفل ليقوم بحراسة الفراغ، إذ لا لزوم لحماية الغائب!
انكسار الخاطر
وباختصار، خلا الكرسي، وانكسر خاطر الجمهورية.. أما أنظار اللبنانيين، فلا تزال ترقب «الساعة الصفر» في ساحة النجمة وسط بيروت، والتي تضبط عقارب ساعتها العريقة، منذ 25 مايو الفائت، على الاستحقاق الرئاسي.
في قصر الفراغ هناك وشاحان ينتظران ذهاب الرئيس العتيد «المنتظر» إلى مجلس النواب لأداء القسم، ثم عودته بموكب رسمي مع رئيسَي البرلمان والحكومة، إن أمكن ذلك، إلى بعبدا لتسلم مهامه رسمياً، حيث يرفع العلم على السارية ويعزف النشيد الوطني له قبل أن يستعرض حرس الشرف.. ولكن يبقى الأهم، أن لا رئيس سلف لتوشيح الخلف بوسامَي الأرز الوطني الوشاح الأكبر والإستحقاق اللبناني من الدرجة الإستثنائية.
وإذ خابت التوقعات ولبنان بلا رئيس للجمهورية، وشغور الرئاسة الأولى بعد انقضاء ولاية الرئيس ميشال سليمان مطابق بأسبابه لشغور تلى انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود عام 2007، وهو الإنقسام الحاد بين قوى 8 و14 آذار، وتناقض مشروعيهما وخياراتهما، . وفي السياق فإن استحقاق 2008، الذي أوصل سليمان للرئاسة، شهد تحديد 20 موعداً في ستة أشهر.
أزمة الفراغ
ووسط استمرار الظروف والمعطيات السياسية نفسها التي عطلت الاستحقاق، وتسببت بتمادي أزمة الفراغ الرئاسي، يبقى نجم اللقاءات والاتصالات والتكهنات، حيث لا يبدو أفق المخرج المفترض لإنتاج رئيس جديد متوافرة، فمعلومات الخارج والمتقاطعة مع معطيات الداخل، لا توحي حتى الآن بإمكان إحداث الاختراق المرجو، وقوى 8 آذار ماضية في تعطيل الجلسات..
إلا إذا توافر التوافق، «التوافق أو لا نِصاب»، فيما وقوى 14 آذار تتبني ترشيح رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، «جعجع أو لا انتخاب». ويبقى سيناريو تطيير النصاب متربعاً على عرش جلسات مفترضة حتى إشعار آخر.
وللإفراج عن هوية الرئيس الثالث عشر للجمهورية، فإن «الساعة الصفر» الرئاسية تحددها «ساعة النجمة»، أو الساعة المتمركزة أمام مدخل البرلمان اللبناني في وسط بيروت.. وهي «نجمة» ساعات الساحات اللبنانية على الإطلاق، وقد سُميت كذلك لأنها تتوسط ساحة مسدسة الشوارع والاتجاهات، تماماً كما النجمة..
ولا تعود نجوميتها لكونها دُمرت خلال الحرب اللبنانية (1975- 1990) وأعيد بناؤها، بل لأنها شهدت أيضاً وتشهد تعاقب تواريخ وأزمان من أحداث لبنان، «الحربية» في الماضي القريب والبعيد، والسياسية في الحاضر.. أما اليوم فإنها تضبط مواعيدها على زمن آخر.
