حرمهم القدر من آبائهم، وحرمتهم الدنيا من أحلامهم، فأصبحوا لا يتطلعون إلا إلى حياة كريمة ونوم هادئ ورعاية آمنة، إلا أنهم يصطدمون بواقع أمر مما هم فيه حالياً، حينما ينتشلهم غير المؤهلين؛ ليضعوهم بين أربعة حوائط يُطلقون عليها «دور أيتام»؛ فيجدون هناك شتى أنواع القهر والقسوة والمعاملة السيئة، دون أن يشعر بهم أحد أو يستمع إلى استغاثتهم.
ذلك حال الكثير من الأطفال في بعض دور الأيتام التي تُعاني غياب رقابة الدولة من ناحية، وتجاوزات مسؤوليها من ناحية أخرى، على الرغم من وصول عددها إلى 500 دار تضم 12700 طفل، منهم أيتام تعدوا سن الرشد، إلا أنهم لا يزالون تحت رعاية الدولة، حيث تتكفل بنفقاتهم ورعايتهم، بحسب تقارير وزارة التضامن الاجتماعي.
ولعلَّ الفيديو الذي سرب أخيراً لمدير دار أيتام بمنطقة الهرم في القاهرة، وهو يضرب الأطفال بقسوة ويعذبهم بشدة بسبب مشاهدتهم التلفاز دون علمه، لا يزال عالقاً في أذهان الأوساط الاجتماعية والسياسية، والأهم من ذلك أنه فجّر قضية شائكة حول الإهمال في دور الأيتام، وغياب الرقابة عنهم؛ ليفتح ملفاً أسود عن تاريخ الإهمال في تلك الدور.
ولم تكن حادثة دار أيتام مكة هي الأولى من نوعها، فالتجاوزات عديدة، والتاريخ مليء بالنقاط السود لحوادث تشير إلى حجم المأساة التي يعيشها نزلاء بعض تلك الدور، فقبل أربعة أعوام كانت هناك حادثة مشابهة، عندما قامت مشرفتان بجمعية أولادي بالمعادي بتعذيب ستة أطفال باستخدام آله حادة، واعترف الأطفال أمام النيابة بتعرضهم للاعتداء، وتم حبس المتهمتين.
وفي حادثة أخرى كانت أكثر بشاعة، وقعت في مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، قام فيها مشرف أحد دور الأيتام بالاعتداء الجنسي على ثمانية أطفال، والغريب أنها لم تكن الحادثة الأولى بدار رعاية، فقد وقعت حادثة مماثلة أيضاً قبل عامين، تضمنت قيام مهندس كمبيوتر بالاعتداء على ثماني فتيات أعمارهن بين الثمانية والعشرة أعوام في أحد الدور بالدقي، مستغلاً انشغال المشرفين، وتم تحويل المهندس إلى النيابة بعدما استمعت إلى أقوال الفتيات اللاتي أكدن تعرضهن للاعتداء تحت التهديد.
وقد فجّرت القضية حينها غضب الرأي العام، وطالب الجميع بتشديد الرقابة على دور الرعاية، إلا أن الحال بقيت كما هي عليه، ليتجدد بعدها مسلسل طويل من الحوادث والتجاوزات، كان آخرها حادثة دار أيتام الهرم.
كارثة حقيقية
تقول أستاذة علم الاجتماع بجامعة الأزهر دكتورة سامية الجندي لـ«البيان» إن الكارثة الحقيقية تتمثل في غياب الرقابة على اختيار الأشخاص الموكل إليهم مهمة التعامل مع الأطفال، ورعايتهم في دور الأيتام الذين من المفترض أن يكونوا مؤهلين ومتخصصين في علم الطفولة، وعلى دراية ووعي كامل بسيكولوجية الصغار، ولديهم القدرة على كيفية التعامل، وأن تجرى لهم العديد من الاختبارات النفسية والاجتماعية؛ لتحديد ما إذا كانوا بالنظر إلى كل تلك الحوادث نجد أن المرض النفسي هو العامل المشترك بين مرتكبي هذه الجرائم في حق أولئك الأطفال الأبرياء، فللأسف هناك غياب تام للرقابة على المسؤولين عن رعاية الأطفال الذين يتم اختيارهم بعشوائية شديدة، إذ تؤدي الوساطة والمعارف دوراً كبيراً في الإتيان بهؤلاء.
وتناشد الجندي وزارة التضامن الاجتماعي بإعادة ترتيب أوراقها في ملف دور الأيتام بمصر، وأن يتم تعيين الأشخاص عن طريق اختبارات نفسية واجتماعية قاسية، للتعرف إلى مدى أهليتهم للتعامل مع الطفل، فالأمر، والكلام للجندي، أصبح لا يحتمل هذا القدر الكبير من العشوائية وعدم التخطيط، فنحن نملك عدداً كبيراً من خريجي كليات رياض الأطفال والتربية وأقسام علم النفس، والمؤهلين بدراستهم وتخصصهم لأن توكل إليهم هذه المهمة، فلماذا هؤلاء بعيدون عن دائرة اختيارنا؟
جني الأموال
أكدت وكيلة وزارة التضامن الاجتماعي ورئيسة الإدارة المركزية لشؤون الأسرة والطفولة والرعاية الاجتماعية عزيزة محمد عمار أن دور الأيتام في مصر تحولت إلى «سبوبة»، بهدف جني الأموال على حساب الأطفال الأيتام، مشيرةً إلى أن حادثة دار أيتام الهرم لم تكن مفاجأة بالنسبة إليها، فنحو 40% من دور الأيتام في مصر مخالفة للضوابط والمعايير.

