في الآونة الأخيرة، ارتفعت بعض الأصوات المطالبة بإعادة خدمة العلم، أو فتح باب التطوّع في صفوف الجيش. وذلك، من بوّابة كون من أقسموا على الـ«شرف. تضحية. وفاء» وهو شعار الجيش، كحماة للاعتدال في الوطن، ومدافعين بالدمّ عن منع انزلاقه إلى متاهات المشاريع الهدّامة الهادفة إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
وكانت الخدمة الإلزاميّة أقرّت بعد نهاية الحرب اللبنانيّة «1975- 1990»، إذ نظراً للإنهاك الذي أصاب الجيش بعد الحرب، كان من الضروري تعزيز عديده وعتاده للقيام بواجباته وبسط سيطرته على كلّ الأراضي مع زوال ظاهرة الميليشيات. وتطبيق قانون خدمة العلم بدأ عام 1993، وحتى عام 2007 بعدما ألغيت بموجب القانون 665/2005.
وكانت تدعم الجيش بنحو 6000 شاب سنوياً، بحسب تأكيد مصادر عسكرية لـ«البيان»، فأفادوا الجيش عدداً واختصاصات يعملون فيها، في وقت كان التطوع لايزال يتمّ بالقطّارة بسبب الميزانية التي لا تحفّز الشباب على الدخول والانخراط بالجيش بسبب المحاصصة الطائفيّة.
والحرب المعلنة ضد لبنان تضيف المزيد من المشاهد الكئيبة إلى الوضع العربي العام. وتذكّي صواب الصورة التي رسمها قائد الجيش العماد جان قهوجي، حول الخطة الموضوعة للنيل من الوطن وجرّه إلى ساحة الحروب الدينية والمذهبية التي تجتاح المنطقة.
هكذا هي الصورة الحالية، والتي وفّرت للقيادات السياسية فرصة للإعراب عن موقف شبه موحّد، تجلّى في تأييد القوات المسلّحة بالدعوة إلى دعمها والالتفاف حولها.
وتلك الدعوات لم تأتِ من فراغ، بل اقتضاها أن الدولة باتت كلّها أشبه بميادين، من داخله المتشظّي سياسياً واجتماعياً، إلى حدوده المهدّدة، براً وبحراً وجواً، بالخطرين الإسرائيلي والإرهابي.
ما دفع مصادر سياسية للمطالبة بضرورة العودة إلى مناقشة موضوع خدمة العلم بجديّة، والتي أنتجت مؤسّسة وطنية في زمن يفتقد فيه الوطن إلى الدولة والمؤسّسات، رغم السهام التي تعرّضت وتتعرّض لها، فأصبحت تفضح الفراغ والعجز.
«أقسم بالله العظيم أنّ أقوم بواجبي كاملاً حفاظاً على علم بلادي وذوداً عن وطني».. عملاً بذلك القسم اختار عناصر الجيش وضباطه الموت في ساحات الوغى.. وفي حين بات كل العسكر تقريباً، مستنزفين على مساحة خريطة الوطن في استنفار على مدار الساعة، يضعه على تماس مع فتائل مشتعلة في الأمن والسياسة، في العصبيات والمذهبيات، والإرهاب بأنواعه كلها، وبحدّ أدنى من الإمكانات.
ويطرح ذلك الواقع، أسئلة سياسية تتجاوز الشكليات العسكرية، لتطال كيفية التعاطي مع المؤسّسة العسكرية الجامعة. ولدى التدقيق في كيفية تعاطي أهل السياسة مع المؤسّسة العسكرية، يتبيّن أنهم يطلبون منها كل شيء بل وأن تتوسّع وظائفها، ولا يقدّمون لها إلا النزر القليل و«بالقطارة».
مواجهة الخطر
ولعل أقلّ الواجبات في هذا «الزمن الداعشي» إقليمياً، بحسب توصيف مصادر نيابية عدّة، أن تتوطّد ركائز البيئة السياسية الحاضنة للجيش، فعلاً
لا قولاً، وأن تتوافر الإرادة الصادقة في تحصين المؤسّسة العسكرية ومدّها بما تحتاج إليه من إعداد وعتاد.. ومن الخطوات الآيلة إلى تحقيق الهدف ضرورة العودة إلى مناقشة موضوع خدمة العلم بجديّة مطلقة.
وذلك من بوّابة أن الوطن الذي لا يحميه أبناؤه لا يمكن أن يستمرّ، ولا بدّ لكلّ الإرادات السياسية أن تعمل على جمع الكل من أجل الدفاع عن بلدهم، بحسب قول عضو كتلة التنمية والتحرير النائب أيوب حميّد.
وترجمة لبيانات التأييد من مختلف الكتل والأحزاب والجماعات السياسية، أشار عميد في الجيش، رفض ذكر اسمه لـ«البيان» إلى أن مخطّط إضعاف الجيش يبدأ من ضعف تمويله وإمداده بالمعدّات اللازمة، ذلك أن الحكومات المتعاقبة تعمل على تخفيض ميزانيّة الجيش، ما يؤثّر في عمليّة التطوّع وفي قوّته اللوجيستيّة والحربيّة، مطالباً بضرورة التراجع عن قرار إلغاء خدمة العلم وإلغاء مفاعيله عبر خطوتين متزامنتين: التعجيل في وضع قانون جديد لخدمة العلم، وإطلاق حملة واسعة لحثّ الشباب والفتيات على دخول الجيش.
في المقابل، يحدّد رافضو خدمة العلم مواقفهم بالاستناد إلى اعتبارات رئيسيّة، لا سيما لجهة أثر التجنيد الإجباري في مستوى القوات المسلّحة القتالي، فتطبيق خدمة العلم يؤدي إلى انخفاض مستوى الانضباط بين الجنود وإلى تراجع روح المبادرة لدى المجنّدين.
وللأوطان في دم كلِ حرٍ
يدٌ سلفت ودينٌ مستحقُ
ليست هذه الكلمات وليدة تمكّن شاعرٍ من مفردات لغة، ولا مجرد إلهامٍ اعتمل دواخلَ ناظمٍ فتقطّر معان.. بل هو الإحساس والانتماء تدفّق حروفاً تمجّد الوطن وتحضّ على ردِ فضله، أوليس من أعطانا ماء وهواء وأرضاً تسع أحلامنا؟.
يختلف الكل في الرؤى والمواقف، لكن جلهم يجمعون على حق الوطن، ومن أجل ذلك شرّعت كل الدول وسنّت القوانين لشبابها لأداء الخدمة الوطنية حتى يكونوا على «خطوط النار» إذا ما دعا داعي الفداء، البعض اقتصرت الخدمة الوطنية على عام، وأخرى على عامين، وبعضها ثلاثة، مفسحة المجال أمام إعفاءات من أداءها وفق الحاجة والضرورة وتأجيلها لفئات تملك الحق في ذلك، فيما تمكن آخرون من دفع تعويض مالي يتدفّق على خزائن الدولة.
تتباين ظروف الدول وأوضاعها، لكن الثابت أنّ المنطقة برمتها تعاني زلازل سياسية وأمنية تقتضي اليقظة والحذر الكبيرين، وتفعيل دور الشباب في حماية الوطن وأمنه والذود عن حياضه عبر الاستعداد بكل ما توفّر من قوّة يرهب بها الأعداء.
تحقيق الهدف يفرض ضرورة العودة إلى مناقشة موضوع خدمة العلم بجديّة مطلقة
خدمة العلم
أعيد النظر رسمياً في جدوى خدمة العلم والمختصّة بالذكور فقط عام 2005، ومن ثم ألغيت نهائياً في 10 فبراير عام 2007.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يعلن أي تفسير للقرار، إلا ما يصرّح به رئيس لجنة الدفاع الوطني النيابية النائب سمير الجسر، من حين لآخر، بأن القرار اتخذ «تلبيةً لرغبات الآلاف من المغتربين اللبنانيين، لأنه عرقل أعمالهم في بلاد الاغتراب، وحال دون إكمال البعض منهم دراسته الجامعية».
علماً أن لبنان كان، بحكم تنوّعه الطائفي والثقافي، أحوج إلى إنجاح تلك التجربة منذ انطلاقتها، إلا أنها كانت تقف دائماً عند حدود التطورات الأمنية والسياسية التي تشهدها البلاد، وقد قيّض لها أن تطبّق بزخم في عام 1993، ليعاد النظر رسمياً في جدواها مطلع عام 2005.
