شدّد مدير مركز ابن خلدون الناشط الحقوقي البارز سعد الدين إبراهيم، على أنّ جماعة الإخوان المسلمين لن تقوم لها قائمة خلال السنوات العشر المقبلة على الأقل بعد جرائمها التي أفقدتها «التعاطف الشعبي».

ووصف إبراهيم علاقة مصر مع أميركا بـ «الباردة» أكثر منها متوتّرة، لافتاً إلى أنّها ستعود إلى مجراها الطبيعي قريباً بعد شعور واشنطن أنّ القاهرة تملك «الحليف البديل»، مؤكّداً أنّ «مصر ستعود رائدة الوطن العربي على ضوء تعاونها مع دول الخليج». وفيما يلي نص الحوار بين إبراهيم و«البيان»:

في البدء كيف ترون أوضاع مصر وخارطتها السياسية حالياً؟

مصر الآن وبعد ثورتين مجيدتين في «25 يناير» وموجتها الثانية في «30 يونيو»، تموج بالتيّارات والتغييرات التي كسرت كثيراً من القواعد الجامدة داخل الحياة السياسية، لكن الأمور الآن بدأت تتجه نحو الاستقرار بشكل تدريجي بعد أن عدّل الشعب الدستور مرّتين وانتخب رئيساً جديداً، ونستعد حالياً لإجراء انتخابات البرلمان.

لقد خلّفت المرحلة الماضية الكثير من التغيّيرات داخل الدولة، منها كسر جدار الخوف فلا يوجد شيء يخيف الشعب الآن، والمصريون جميعاً تسيسوا وانشغلوا بالعمل العام، قبل 25 يناير كانت السياسة تقتصر على طبقة معينة.

أما الآن فالشعب كله أصبح يتحدّث في السياسة، وأهم هذه التغييرات أيضاً كانت خلق روح الاستعداد والمشاركة لدى المصريين، وهو أمر لم نعهده في الماضي، فضلاً عن ظهور المرأة في شكل فعّال من خلال مشاركتها في العمل العام بمشاركتها المميّزة في كل التحرّكات السياسية والتغيّرات التي طرأت في الشارع.

وكيف ترى المواقف العدائية التي تشنها بعض الدول ضد مصر؟

علاقات مصر مع الجميع تقريباً عادت إلى المسار الطبيعي عقب «ثورة 30 يونيو»

وماذا بشأن العلاقة مع تركيا لاسيّما بعد فوز أردوغان بالرئاسة؟

أردوغان «إخواني» كان يؤيّد ويدعم الرئيس المعزول محمد مرسي، أصيب بصدمة من تفجير الشعب «ثورة 30 يونيو» ولفظه حكم جماعة الإخوان المسلمين فقام بفتح أبواب بلادها للهاربين، وأصبحت تركيا في عهده ملاذاً ومأوى لهم وتعقد فيها حالياً معظم اجتماعات التنظيم الدولي للإخوان وما يسمى «تحالف دعم الشرعية».

فضلاً عن أنه أنشأ قناة خاصة لهم تبث من هناك للهجوم على مصر، وأتوقّع أن تظل العلاقة متوتّرة مع تركيا برئاسة أردوغان، ومع ذلك فقانون العلاقات الدولية يقول «ليس هناك صداقات دائمة ولا عداءات دائمة»، لأن ما يحكمها هي المصالح الدائمة.

ولذلك ربما تنجح لغة المصالح في وقت ما في إزالة أي مشكلات موجودة بين البلدين، لاسيّما أنّ تركيا بها نهضة اقتصادية كبيرة وتحتاج إلى أسواق والأسواق العربية والمصرية والسائحين العرب يمثّلون مورداً مهمّاً لتركيا، ولذلك لا أتوقع أن يدوم التوتّر فترة طويلة.

تواصل شعبي

وماذا بشأن المقترحات الخاصة بفتح قنوات جديدة للاتصال بين مصر وتركيا بعيداً عن الإدارة السياسية؟

هذا قطعاً مطلوب وليس مع تركيا فقط ولكن مع جميع الدول، فلابد وأن يكون هناك تواصل شعبي مع جميع الدول العربية، فالعلاقة بين الأقطار والدول تدوم عن الحكومات، وهذا ما يسمى بـ «الدبلوماسية الشعبية»، وقد جرّبنا ذلك مع أوروبا بعد «30 يونيو»، إذ ذهب وفد شعبي إلى بروكسل وكنت أحد أعضائه، واستطاع أن يجمّد قرار الاتحاد الأوروبي بمعاقبة مصر اقتصادياً.

وكيف ترى توتر العلاقات المصرية ـ الأميركية بعد سقوط «الإخوان» عقب 30 يونيو؟

لا يوجد توتّر ولكن هناك نوع من البرود في العلاقة، ولابد وأن نعرف أنّ العلاقة بين مصر وأميركا تتحكّم فيها أربعة عوامل: وهي الحفاظ علــى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وتوفير المرور الآمن للسفن الأميركية في الممرات الملاحية، والعامل الثالث هو الحرب على الإرهاب باعتباره خطراً يواجه الكل، وأخيراً الملف الإيراني فأميركا تطمع في وقوف مصر معــها ضد إيران في تنفيذ مشروعها النووي.

«لوبي إخواني»

وما تقييمكم للعلاقة بين أميركا وجماعة الإخوان المسلمين وهل وصولهم للسلطة في مصر جاء بمساعدة أميركية؟

نعم الكل يعلم جيداً أن هناك «لوبي صهيوني» داخل أميركا يتحكّم في بعض القرارات التي تصدرها الإدارة الأميركية، لكن الجديد الذي يجهله الكثيرون أنّ هناك «لوبي إخواني» داخل أميركا يعمل في الخفاء تعود جذوره لأكثر من 40 عاماً منذ وقت خلاف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر معهم عقب حادث المنشية في العام 1954 وهروبهم من مصر، حيث هاجر عدد كبير منهم إلى الدول الأوروبية وأميركا، وبمرور الوقت شكّلوا جماعات ضغط على صُنَّاع القرار في أميركا داخل الكونغرس ووزارة الخارجية.

ومن يعرف الخريطة الأميركية جيداً يعرف كيفية السيطرة على القرار في أميركا، وخلال السنوات الأخيرة تطور هذا «اللوبي الإخواني»، واستطاع الوصول إلى السلطة والسيطرة على صناع القرار ونقل فكرة دعم التيّار الإسلامي داخل منطقة الشرق الأوسط، والجميع يعلم أنّ الجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية 2012 حدث بها تلاعب لتغيير النتيجة لصالح الرئيس الأسبق محمد مرسي بمصر.

وأعتقد أنّ «اللوبي الإخواني» في أميركا كان له دور قوي في ذلك، بعد أن حصلت أميركا منه على تعهّدات بحماية مصالحها في الشرق الأوسط، وكانت الصفقة بينهم هي مساندة «الإخوان» في الوصول للحكم مقابل تنفيذ تلك المطالب.

بدائل تحالفات

وفي رأيكم متى تعود علاقة مصر بأميركا إلى سابق عهدها؟

العلاقة بينهما ستعود إلى المجرى الطبيعي خلال الفترة المقبلة، بعد أن تعترف أميركا أنّ مصر لديها بديل عنها في الحصول على السلاح والمعونات العسكرية ويتمثّل ذلك في روسيا أو أوروبا أو الصين، وعلى الإدارة الأميركية أن تعي أنّ مصر لديها الكثير من التحالفات ولن تقتصر على التعاون مع الإدارة الأميركية فقط، وذلك سيجعلهم قطعاً يُسارعون في تصحيح المسار، وذلك ما أثبتته الزيارة الأخيرة لعضو الكونغرس الأميركي داريل عيسى ولقاءه الرئيس السيسي.

وماذا عن توقيت الزيارة والذي جاء عقب زيارة الرئيس السيسي لروسيا؟

زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لروسيا وتوقيعه عدداً من الاتفاقيات المشتركة بين مصر وروسيا خلال الفترة المقبلة، كان لها صدى كبيراً بالولايات المتحدة، لاسيّما داخل الكونغرس الذي أدرك أنّ الإدارة الأميركية تمادت في انتقاد نظيرتها في مصر، وأصبحوا الآن يُحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذلك خوفاً من تكرار تجربة الخمسينات عندما أدارت أميركا ظهرها لمصر فتوجّهت إلى روسيا.

علاقات أشقاء

وكيف ترون مستقبل العلاقات المصرية ـ العربية مع وجود الرئيس السيسي؟

ستنمو بشكل إيجابي ويعود الدفء إليها، وستعود مصر رائدة الوطن العربي، لاسيّما خاصة في ضوء تعاون مصر مع السعودية والإمارات وبقيّة دول الخليج، وتعود من جديد ريادة مصر في مواجهة أي خطر تتعرّض له الدول العربية، خاصة أنّ أمن الخليج يُعد جزءاً من الأمن القومي المصري.

وماذا عن اشتعال الحروب والانقسامات داخل عدد من الدول العربية في ليبيا والعراق وسوريا، واتهام أميركا بدعم الإرهاب هناك لخلق توترات في المنطقة؟

لا يوجد دليل مادي على هذا الادعاءات، ومن يملك دليلاً على هذا عليه أن يظهره للعالم لكي يثبت حجته، أما غير ذلك فأنا أعتبر أنّه في العقود الماضية ومن خلال تراكمات سابقة اختلطت فيها الحقيقة بالادعاءات خلقت لدى العرب والمصريين «عقدة أميركا»، وأصبحنا نحملها المسؤولية عن أي مشكلة أو خطر نواجهه، وبدلاً من البحث عن حل للمشكلة والوحدة لمواجهة هذا الخطر، نكتفي بتحميل أميركا مسؤوليته.

فقدان تعاطف

وفي توقعكم كم من الوقت ستستغرقه جماعة الإخوان المسلمين للعودة للحياة السياسية مرة أخرى؟

لا أتوقّع أن تقوم لهم قائمة في السنوات العشر المقبلة، ففي حياة الجيل الذي عاصر الثورة لن يكون للإخوان وجود نتيجة مشاعر الكره والغضب التي تولّدت لديهم بعد ممارسة الإخوان للعنف والتي أفقدتهم التعاطف الشعبي، فضلاً عن إخفاقهم في إدارة شؤون البلاد، ولذلك فالإخوان أمامهم فترة كبيرة سيعيشون فيها العزلة منبوذين من الكل.

وماذا عن أحكام الإعدام التي صدرت أخيراً ضد كثير من القيادات الإخوانية؟

أنا كناشط حقوقي ضد حكم الإعدام نهائياً، سواء أكان على إخواني أم مواطن عادي، فمن الممكن أن تظهر حقائق بعد تنفيذ الحكم، وأتوقّع أن يتم الرجوع عن تلك الإحكام سواء من خلال النقض أو من خلال عفو رئاسي.

جولات تنظيم

أكّد سعد الدين إبراهيم، أنّ التنظيم الدولى لجماعة الإخوان يقوم بالعديد من الجولات فى الخارج لإثارة الرأى العام الخارجى ضد مصر، مشيراً إلى أنتّ «الإخوان» تسعى إلى إفشال النظام بشتى الطرق داخليًا وخارجيًا، وتوهم أنصارها أنّ محمد مرسى سيعود، ولكن مثل هذه الأوهام لم ولن تتحقّق».

وأبان إبراهيم أنّ التقرير الذي أصدرته منظمة «هيومان رايتش ووتش»، بخصوص أحداث فض ميدان رابعة العدوية، لم يراعي كل العناصر والمعلومات الخاصة بالفض، إذ أغفل شهادات سكان منطقتي رابعة والنهضة، كما تجّنب الحديث عن الشلل التام الذي تسبّب فيه الاعتصامان.