القاهرة بوجه جديد، على غير ما اعتاد المارة عليه طوال سنوات، لا باعة جائلين يعبئون الطرقات ازدحاماً، فالسلطات اتخذت القرار ونفّذت، إذ نقلتهم في حملات موسّعة استجابة لنداءات المواطنين وأصحاب المحال وفي محاولة لاستعادة وجه العاصمة الحضاري إلى منطقة جراج الترجمان، أمرٌ أثار سخط الباعة الذين وصفوه بـ«خراب البيوت» عبر فقدان مصدر الرزق الوحيد.
ولا يقتصر أذى الباعة على ذلك فقط، إذ يتسبّبون في الاختناق المروري وحوادث السرقة والبلطجة والتحرّش الجنسي.
تمّ إخلاء نحو ألفي بائع جائل حتى الآن من مناطق وسط البلد، وشارع 26 يوليو، وميدان الأوبرا، وميدان الإسعاف، وكورنيش النيل بمنطقة بولاق أبو العلا إلى جراج الترجمان، ما أفسح المجال ولأول مرّة لشوارع القاهرة أن تلتقط أنفاسها، فيما حرصت قوات الشرطة على التمركز في أماكن معينة كإجراء وقائي لمنع عودة أي بائع جائل إلى هذه الأماكن.
مخاوف بلطجة
وأعرب علي عبد الفتاح صاحب أحد المحال في شارع 26 يوليو في حديثه لـ «البيان» عن فرحته الغامرة بإخلاء شوارع وسط البلد من الباعة، باعتبار أنّ افتراشهم البضائع على الأرض احتلال للأرصفة استمرّ سنوات، لاسيّما بعد «ثورة يناير»، أمرٌ تطوّر في ظل الغياب الأمني وأصبح مهزلة بتحوّل الشوارع الرئيسية إلى «جراجات» للبضائع ما جعل الشارع لا يسمح سوى بمرور سيارة واحدة فقط.
مضيفًا: «كانوا يفرضون علينا أتاوات، وكنا كأصحاب محال لا يمكن أن نطلب منهم الانتقال إلى أماكن أخرى بعيدًا عن محالنا، لأنهم كانوا يُهدّدونا بتحطيم محلاتنا ويأخذون الأمر بالبلطجة، بل كنا نخشى أن نبلغ الشرطة كي لا يصيبنا مكروه».
مطلب شعبي
وتطابق شعور هناء سامح، من سكان منطقة وسط البلد، مع عبد الفتّاح، معربة عن فرحتها الغامرة بهذه الخطوة التي أعادت حسب قولها المظهر الحضاري إلى وسط البلد من جديد، مضيفة أنّ «كل سكان المنطقة كانوا يخشون النزول في وقت متأخّر كي لا يتعرّضوا للأذى، لأن بعضهم لا تفارق السكين جيبه».
مأزق إنساني
في المقابل، شدّد عدد من الباعة الجائلين على رفضهم قرار النقل، بحجة أنّ جراج الترجمان غير مهيأ للبيع لأنّه يخلو من مرور المواطنين كما هو الحال في شوارع العاصمة، ما سيفقدهم مورد رزقهم، فضلاً عن أنّ الجراج لا يحتوي على العديد من المرافق المهمّة كدورات المياه، والمطاعم التي توفر وجباتهم الأساسية اليومية.
وأبان أحد الباعة أنّهم كانوا دومًا سندًا للحكومة وأجهزة الأمن في التصدّي لتظاهرات الإخوان، ولا ينبغي أن يكون جزاءهم أن يفقدوا مورد رزقهم، موضحاً أنّه لا يعارض الانتقال إلى أي مكان يجد فيه مصدر رزقه، أما أن يتم نقلهم إلى أماكن لا يمر بها المواطنون فهو ما لا يمكن تقبّله بأي شكل كان.
التخطيط أولاً
بدوره، أكّد أستاذ التخطيط العمراني بجامعة حلون د.محمد توفيق، أنّ «قرار نقل الباعة كان حتمياً لكن كان لا بد أن يسبقه التخطيط وعدم العشوائية»، مشيراً إلى أنّه «لا يمكن أن يتم النقل دون التخطيط المسبّق من خلال توفير بديل جيد.
وأنّ الخطأ الذي وقع فيه المسؤولون هو نقل الباعة دون توفير أكشاك واستعدادات لنقل مواقف الخدمات بالقرب منهم وفتح البوابات للمواطنين المارة»، لافتاً إلى أنّ «اعتراض الباعة الجائلين قلق مؤقّت سينتهي بمرور الوقت كما حدث عند نقل سوق «روض الفرج»، والآن استقر الباعة بسوق العبور، ثم لا بديل عن قرار النقل».
رؤية رئيس
أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال لقائه باللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد بهيئة الرقابة الإدارية عن عدم رضاه بتجهيز المكان الجديد للباعة الجائلين، مطالبًا بتجهيز المكان بكل المرافق الضرورية، موضحًا أنّ «الخطة الإعمارية الجديدة هدفها تجميل العاصمة واستعادة بريقها، دون الجور على حق الباعة في كسب لقمة عيشهم بالحلال».

