في بادرة هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، ستطلق وزارة الثقافة اللبنانية قريباً مشروعاً، يقضي بتحميل تطبيق هاتف ذكي عن المتحف الوطني اللبناني في بيروت، يمكن من خلاله التجوّل بأرجائه ويشاهد 150 قطعة أثرية، بالتفسيرات والشروحات عنها بثلاث لغات: العربية والفرنسية والإنجليزية. ويسمح للمستخدم عند وجوده في قاعات المتحف، بإجراء جولة سمعيّة، بتلك اللغات، على نحو 50 قطعة أثرية، بالضغط على رمز مشفّر يوجد قرب كل قطعة. والتطبيق مجاناً ويتوفر بجميع الأجهزة الخلويّة.

وكانت السفارة الإيطالية وبالتعاون مع وزارة الثقافة، أطلقت مشروع أعمال إعادة تأهيل الطابق السفلي للمتحف، تكلفته مليوناً وعشرين ألف يورو. وبرأي الإيطاليين، الحضارة والتاريخ ليسا مجرد مفردتين رنّانتين، بل يمكن الاستناد إلى الثقافة لمواجهة الصراعات.

وبحسب المعنيّين، من شأن المبادرة تخصيص الطابق السفلي المتروك بالمتحف «منذ عام 1975 أيّ بداية الحرب الأهلية» بعرض متحفي جديد، والأهم، تصميم مشروع للمبنى، ويتضمّن تحديد أنظمة الإضاءة وتصميم مسارات الزيارة والأدوات اللازمة لعرض القطع الأثرية على نحو لائق.

وقد اجتاحت مياه الأمطار والمجاري الطابق السفلي في أكتوبر 2012، ما استدعى قيام «المؤسّسة الوطنية للتراث»، بالتعاون مع الوزارة ، بإطلاق إعلان تلفزيوني،وكان «نجمه» أحيرام ملك بيبلوس وهو يستغيث، مصوّرا المبنى برمّته تغمره المياه، وتخرج الصرخة: «يا حرام!».

وأحيرام ناووس يعود لثلاثة آلاف سنة، ويعتبر أبرز قطع المتحف، اذ يحمل أقدم نصّ أبجدي بالتاريخ، ويعتبر وثيقة تاريخية نادرة تؤكد أن لبنان مهد الأبجدية ولأقدم استخدام للأبجدية الفينيقية والتي تعتبر الأولى عالميا، واعتمدت على مخارج الحروف بدلاً من الكتابة التصويرية، مثل الهيروغليفية والمسمارية. وتؤكد نقوش ناووس الفينيقية، بحروفها الـ22 التي استخدِمت بمدينة جبيل أو بيبلوس في القرن العاشر قبل الميلاد، هي التي انتشرت وتبنّاها الأغريق بالقرن الثامن وعدلوها لتدوين لغتهم.

مفارقة لافتة

و«المتحف الوطني» يحمل تسمية «متحف»، في بلد يتباهى بطفرة الحضارات المتعاقبة. فالحال أنه بالذاكرة الجماعيّة لا يرمز إلى ما هو عليه، كشاهد صامت على قيمة الإنسان وعلاقته بالمتحوّلات الزمنيّة، إنما يحمل وقعاً لفظياً ثقيلاً، خاصة إذا مرّ بين السّير المتطرّقة إلى القتال الأهلي والمتفرعة منها 1975- 1990، ويمرّ بعض المواطنين أمام متحفهم دون اكتراث أو انتباه لوجود صرح قديم وعملاق، يستقبل زائريه بعرض خمسة أعمدة رومانية ضخمة تنتصب في ساحة مقابلة لمدخله، اكتشفت في بيروت عام 1940، ووضعت مع قطعة فسيفساء أحضرت من منطقة خلدة الساحلية، وهي تعود لكنيسة بيزنطية من القرن الخامس الميلادي. ولأن المحطات المضيئة لا تُنسى، طالما هناك من يتذكر، صمّم القيّمون على المتحف،موقعاً إلكترونياً www.beirutnationalmuseum.org لدعم عملية التعلّم وشرح المعلومات التاريخية للطلاب بطريقة حديثة، باللغتين العربية والإنجليزية، يعرض تاريخ المتحف والمعروض فيه.

البدء من إبراز صور 4 قطع أثرية أساسيّة مشبعة بالماضي، وتتصل علاقتها بالزمن، أكثر مما تتصل مع المكان الضيق: ناووس أحيرام ملك بيبلوس، وهو يعود الى القرن العاشر قبل الميلاد، تمثال آلهة الشفاء هيجيا في جبيل قبل ألفي عام، فسيفساء الحكماء السبعة «ملهمة الفلسفة، يحيط بها سقراط ورجالها»، وكانت يوماً تزيّن غرفة الطعام بصرح روماني في بعلبك، وقربها تمثال مقطوع الرأس للأمبراطور الروماني هادريان الذي أمر بسجن كل من يقطع شجرة في البلاد، والكنز المملوكي، وأفلام فيديو (لا تزيد مدة كل منها 3 دقائق، تشرح بالصوت والصورة اكتشاف القطعة وأهميتها بالنسبة إلى لبنان، ووصولاً الى إضاءة أحرف الكتابة الفينيقية على ناووس أحيرام، فيتخيل المرء كأنه يقرأ ما كتب قبل 3000 سنة، وتبرز منحوتات الناووس المغطاة باللون الأحمر. وبالنسبة للكنز المملوكي، تأتي النصوص لتفصل عملية نحت وصقل المجوهرات الذهبية التي تبرز الفن الإسلامي. وأنجزت الأفلام لتكون تربوية أولا، وتثقيفية ثانيا. كمبدأ معتمد باللوفر الفرنسي أو سميثونيان الأميركي، أوالمتحف البريطاني.

وتعرض الصفحات الأخرى، القطع الأثرية بحسب تسلسلها الزمني، وزوّدت كل قطعة بصورة، وبنص يبرز اكتشافها وأهميتها. وبشأن بصفحة «ما أعطاه المتحف للعالم»، اختصار مشاركة لبنان بتاريخ البشرية عبر أسطر قليلة، والتأثير بمجراه وتطوره، من اكتشاف الكتابة إلى الأرجوان والزجاج المنفوخ. وهناك صفحة متخصّصة لـ«بوتيك المتحف»، وهي صالة بيع التذكارات التي تديرها مؤسّسة التراث المموّل الأول لمصاريف المتحف اليومية.

مجموعة نواويس

ويحتوي المتحف على أكبر مجموعة نواويس متجسّدة بالعالم، أبرزها ناووس أحيرام، أقدم أثر أبجدي بالتاريخ، ولكل منها رأس مختلف عن الآخر، وتعود للقرن الخامس قبل الميلاد، وتعتبر أكبر من الموجودة باللوفر وفي اسطنبول.. ويضم فسيفساء، مجوهرات، قطعاً نقدية، سيراميك، أسلحة تعود إلى ما قبل التاريخ، والعصور: البرونزي، الحديدي، الهلنستي، الروماني، والبيزنطي، وفترة الفتح العربي حتى العصر المملوكي. وفي المتحف ثلاثة طوابق، وقاعة للمرئي والمسموع ومتجر.

تدمير وترميم

بني المتحف عام 1937، بهندسة فرعونيّة، وافتتح رسمياً عام 1943. وعندما اندلعت الحرب الأهلية عام 1975، عمدت إدارته لحماية المجموعات النادرة بتغطيتها بالباطون المسلح، ونقل قسم منها الى البنك المركزي. ولوقوع المبنى بمنطقة تماس، دمّر القصف جدرانه وتداعت طوابقه وقضي على كثير من موجوداته، ما جعل ترميمه وتجميع محتوياته وإعادة فهرستها مهمة صعبة.