يعيش الشارع المصري كابوساً حقيقياً من جراء العديد من المشكلات والأزمات المتفاقمة بصورة كبيرة وبشكل دائم، من منطلق الإهمال والخلل الذي أصاب معظم المؤسسات الرسمية على وقع حالة الاضطراب السياسي التي سادت البلاد من قبل، ومنها ظاهرة «انهيار العقارات» التي حصدت أرواح الكثيرين، ولا يستبعد تفاقمها، ما لم تقم الدولة بالانتباه فوراً لها، ووضع الحلول الجذرية والعملية بكل وضوح؛ لحماية أرواح وممتلكات المواطنين.

وقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة، تنامياً ملحوظاً للظاهرة، من خلال انهيار عدد من المباني، خصوصاً في محافظة الإسكندرية، صاحبة النصيب الأكبر من حوادث انهيار العمارات.

وتوالى وقوع حوادث مماثلة في مناطق أخرى في محافظات عدة، منها حادث انهيار عقار بمنطقة فيصل في الجيزة، وآخر بمنطقة «أوسيم» بالمحافظة نفسها، وثالث في المنوفية، وغيرها من الحوادث، وهي التي تُمثل صدمات قوية للناس، كجزء واضح من واقع المعاناة اليومية التي يتعايشون معها.

 وأشار الخبير العقاري المهندس إبراهيم عارف، إلى أن قضية انهيار العقارات وسقوط المباني والعمارات، تعود في الأساس إلى وجود خلل في الجهات الإشرافية المنوط بها إعطاء تراخيص البناء، ومتابعة التنفيذ على الأرض، فالمسؤول الأول عن الظاهرة هي «المحليات» وليست وزارة الإسكان، لأنها المخولة بإعطاء التصاريح المحددة للبناء والإشراف على عملية البناء.

وأوضح في تصريحات خاصة لـ«البيان»، أن هناك العديد من المنازل القديمة التي بُنيت منذ أكثر من مائتي عام، وجميعها مُعرضة للانهيار، وقد شهدت مصر العديد من تلك الحوادث خلال الفترات الأخيرة، ويشكل انهيار تلك المنازل جزءاً كبيراً من نسبة المباني المُنهارة، بينما المباني الجديدة التي تنهار فعادة ما تكون المخالفة من المالك بالترخيص الذي حصل عليه، وبتراخ من المحليات.

ومخالفات البناء تمثل أكثر الأزمات التي تواجه السوق، لأنها تعرض حياة المواطنين للخطر. في السياق ذاته أكد أن كثيراً من المواطنين استغلوا حالة الاضطراب السياسي منذ ثورة يناير وحتى الآن، وما صاحبها من تردٍ أمني، بالتعدي على العديد من الأراضي وبناء وحدات مخالفة.

معايير الجودة

ولفت الخبير العقاري البارز المهندس عبدالمجيد جادو، إلى أن ظاهرة تهاوي وانهيار البنايات، مرتبطة في الأساس بعدم الالتزام بمعايير الجودة والسلامة، في ظل منظومة متكاملة من عدم الانضباط، والقانون في سوق العقارات غير مفعَّل بشكل سليم، وهناك انحرافات عدة في البناء، بل إن العديد من المهندسين لا يبحثون عن المقاول الجيد الذي يعهد إليه بمسؤولية القيام بالبناء وبشكل مناسب سليم وبأمانة تامة.

واستطرد، قائلاً: وطالما منظومة البناء والتشييد تتم في أرجاء الجمهورية تسير في إطار ذلك السلوك الخاطئ تماماً، فإن المسؤولية تقع على الجميع، وفي مقدمة تلك الجهات المسؤولة وزارة الإسكان والمحليات أيضاً، مُشدداً في السياق ذاته على أهمية أن تضع الدولة ضوابط صارمة وحاسمة حول مسألة البناء، وفق معايير جودة عالية، بدءاً من التصميم وحتى التنفيذ مع كشف تام يتحرى الدقة في مواد البناء المستخدمة والقياسات المطلوبة.

وقال عند إجراء دراسة للمقارنة بين هيكلية وأسس تشييد العمارات والمباني في فترة الخمسينات والستينات والموجود الآن، نجد أن هناك فجوة هائلة، إذ إن عقارات الزمن الماضي تتفوق بقوتها ومتانتها وصلابتها، ليس فقط من حيث معايير جودة البناء وبراعة التشطيب، ولكن في الطراز المتميز الذي يتناسب مع البيئة بملامحها الباذخة، والدليل أن المواطنين يتفاخرون الآن بعقارات وسط القاهرة وغيرها من الوحدات القديمة التي لا نجد مثيلاً لها حالياً.

ناقوس الخطر

دق الكثيرون ناقوس الخطر الذي تمثله ظاهرة انهيار المباني التي تُهدد حياة الكثيرين، والتي تَحولت إلى كابوس مزعج، يؤرق أحلام الأسر خصوصاً الفقيرة منها التي تعيش في الأحياء الشعبية، والتي قد يأتي عليها الدور في تعداد ضحايا انهيار العقارات. وعليه فالقضية بحاجة إلى مشروعٍ قومي شامل، تتكاتف فيه الجهود لبحث وتطوير التشريعات والقوانين المعمول بها والتي لا تشكل رادعاً، مع الحرص على وضع استراتيجيات عملية لإبدال القديم الآيل للسقوط بمبان جديدة أو تجديد الموجود وهو كم هائل من المنازل والعقارات المُهددة بالانهيار.

ناقوس خطر

 تدق الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الإسكان المصرية، ناقوس الخطر بشأن تنامي الظاهرة؛ إذ إن هناك نحو 450 ألف عقار من دون ترخيص، تشكل 6 ملايين وحدة سكنية تقريباً، وهناك 35 ألف مخالفة بناء، في الوقت الذي لم تضع غالبية المحافظات حصراً للمباني الآيلة للسقوط فيها، ما يُقلل من فرص الحل، وتدارك الإشكالية.