قال وزير الصحة الأردني الأسبق طبيب العيون الدكتور ممدوح العبادي إن القطاع الطبي في المملكة هو الأكثر تطورا في المنطقة، وبات القاطرة التي تقود كافة القطاعات. وأشار إلى ان التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع الصحي هو الهدر غير المبررفي الأموال. وذكر ان البعثات الغربية الدينية المسيحية كانت أول من جاء الى الأردن وأسست المستشفيات.
وكشف في حوار أجرته معه «البيان»، ان الضغوط السياسية جعلتنا نشهد بين فترة وأخرى تأسيس مستشفى واحدا في منطقة سكانها لايصل عددهم إلى 50 ألف نسمة بتكلفة مالية تصل إلى عشرات الملايين، بينما أخرى يزيد عدد سكانها عن المئة ألف مواطن، لا يوجد فيها أي مستشفى. وتطرق الوزير إلى العديد من المحاور وأجاب على الكثير من الأسئلة، وتاليا الحوار:
ماهي التحديات التي تواجه القطاع الصحي اليوم؟
التحدي الأكبر مرتبط بالهدر الكبير وغير المبرر في بعض المواقع بالقطاعات العامة بينما هناك شح في مواقع أخرى. ونتيجة للضغوط السياسية يؤسس مستشفى في منطقة سكانها 50 ألفا تكلف عشرات الملايين، بينما أخرى وسكانها فوق المئة ألف مواطن لا يوجد فيها مستشفى واحد .
وبصراحة فإن موازنة وزارة الصحة حاليا لا تلبي الحد الأدنى مما يجب ان تكون عليه الخدمة الطبية ،رغم ان الخدمات التي تقدم بمستشفيات وزارة الصحة من الناحية العلاجية ،هي أقصى ما يمكن تقديمه ضمن الموازنات الضعيفة، والخدمة الفندقية بالمستشفيات العامة متواضعة جدا مقارنة بالموجود في القطاع الخاص،وندرك ان ثمنها مرتفع جدا.
هل شهد الانفاق الحكومي على الصحة تصاعدا يواكب المرحلة؟
حددت الحكومة مجموع الإنفاق على الرعاية الصحية بنحو 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد ان باتت هناك 110 مستشفيات توفّر 11.400 سرير، منها 30 مستشفى تابعة لوزارة الصحة، توفر 4.358 سريرا وبنسبة 38.4% من عدد الأسرّة بالمملكة.
وتدير الخدمات الطبية الملكية التابعة للجيش 11 مستشفى وتوفر 2.131 سريرا، بنسبة 18.8%. ومستشفيان شبه حكوميين هما الجامعة الذي يوفر 519 سريراً بنسبة 4.6% ومستشفى الملك عبدالله المؤسس الذي يوفر 494 سريراً أي بنسبة 4.3% من العدد الإجمالي.
وأنا على قناعة بأن الصحة والتربية والتنمية الاجتماعية هي ثلاثية على أي دولة ان تضعها في سلم أولوياتها وبأرخص الأسعار وأحسن الاداء والخدمات، لان هذه الثلاثية أساس اقامة وبناء اي دولة متحضرة تخدم مجتمعها.
كيف تقيم فترة توليك منصب وزير الصحة؟
كان القطاعان الصحي العسكري والمدني جيدين بينما القطاع الخاص ضعيفا، ومستواها لم يكن مقبولا أو يوازي وضعه الآن ،وكانت آنذاك معظم الكوادر المدربة والجيدة في القطاع العام وليس الخاص.
و بدأت النهضة الحقيقية من خلال ايجاد مراكز صحية شاملة بتطوير الخدمة الطبية من مركز صحي ابتدائي الى شامل الى مستشفيات، حسب ما كانت تنادي به منظمة الصحة العالمية.والموازنة في ذلك الوقت لا تتجاوز خمسين مليون دينار ،بما يشير لوجود فروق هائلة مع نقلة نوعية.
هل حقق القطاع الخاص نجاحا طبيا ينافس الحكومي من وجهة نظرك كوزير؟
نعم حدث ذلك في السنوات العشر الاخيرة حيث تطور بشكل ملفت للنظر،وشهدنا هجرة أطباء من القطاع العام إلى الخاص، وذلك لرفض القوانين المحلية بوجود ازدواجية بالعمل في القطاعين العام والخاص معا . ووفق الارقام فالقطاع الخاص يمتلك الآن 67 مستشفى ووصل عدد الأسرّة فيها نحو 3.900 سرير وبنسبة 33.9% من العدد الإجمالي الموجود بالمملكة.
ماذا أضافت تلك الهجرة للقطاع الصحي عموما وهل خصمت من رصيده؟
ولدت مستوى أعلى من الطواقم الفنية والطبية ،وأوجدت مستشفيات كثيرة على أعلى مستوى من الخدمات من حيث الأجهزة والتطورالعلمي ، وبايجاد ممرضين ومساعدين وصيادلة جيدين.ونجحت الدولة في إنشاء مركز الحسين للسرطان الذي يعمل باشراف جمعية خيرية غير ربحية ويعد من أهم المراكز بالبلاد.
نهضة طبية
كنت وزيرا للصحة في التسعينات وشهدت بداية نهضة القطاع الصحي، كيف كان الأمر؟
التطور كان طبيعيا مثلما في معظم دول العالم الثالث المجاورة. في بداية القرن العشرين تأسست امارة شرق الاردن قبل أن تؤسس المملكة وكان القطاع الصحي فقيرا ،من حيث الموارد البشرية والمهارات والخبرات أوالمعدات. ولم يدم ذلك طويلا.
وبداية الخدمات الطبية جاءت عبر بعثات مسيحية، حيث كان هناك مستشفى واحد في عمان أو مركز صحي يدعى «الست العرجا»، وهي طبيبة ايطالية ،تسكن بالقرب من المستشفى الذي بني بعدها وسمي المستشفى الايطالي.وبعد ظهورالمملكة الأردنية بشكلها الحاضر، وأصبحت هناك وزارة للصحة، بدأت العمل في مختلف المناطق عبر بناء المستشفيات والمراكز الصحية.
كان أول مؤسس لدائرة منظمة للصحة في البلاد الدكتور حليم أبو رحمة عام 1925، في حين صدرأول قانون لتنظيم الشؤون الصحية في عهد الامارة عن مجلس المشاورين تحت عنوان ( قانون يتعلق بطبابة المستشفى ) عام 1923.
وفي عام 1924 صادق الامير عبدالله على لائحة شروط تأسيس مستشفى السلط الايطالي.وبلغ عدد المرضى الذين تمت معالجتهم من قبل دائرة الصحة في شرقي الأردن عام 1928 نحو 70 الف مريض وكانت ميزانيتها 11 ألف جنيه سنويا .
وبعد ذلك أفتتح المستشفى الحكومي في إربد عام 1935 وكان بسعة 12 سريرا ثم افتتح المستشفى الايطالي في الكرك و سعته 36 سريرا، ومركز صحي بالمفرق في البادية الشرقية خاص بأمراض السل تحديدا.ووصل عدد المستشفيات في مدينة عمان خلال عام 1946 إلى سبعة مستشفيات هي الأمراض السارية، والجراحي والعيني ومستشفى السجن المركزي والايطالي، ومستشفيان للدكتور قاسم ملحس والدكتور بطرس ابو سابا.
ماذا عن المسيرة الطبية طوال السنوات الماضية؟
شهدت المملكة خلال الأربعين عاما الماضية نهضة صحية شاملة تحققت فيها إنجازات كبيرة.ورغم تواضع موازنة الوزارة في البدايات ، الا انها مع مرور الوقت بدأت تزداد حرصا على الصحة العامة. وكان المستشفى الرئيسي الذي أحدث نقلة نوعية محليا ،يتمثل في المدينة الطبية وهي مستشفى للعسكريين وعائلاتهم.
وأول وزارة للصحة تأسست عام 1950 ، وباشرت مهامها بعد عام ، ويؤرخ ذلك لبداية تطور النهضة الصحية في البلاد، وكانت أولى إنجازات الوزارة تأسيس 6 دوائر في ألوية المملكة تتبع الإدارة المركزية ويرأس كل دائرة طبيب.
وتركز تفكير الملك الراحل الحسين بن طلال على تطوير هذا المستشفى والعناية بأطباء وممرضي الخدمات الطبية العسكرية، فنشطت ارسال البعثات الطبية على مختلف دول العالم وعلى رأسها بريطانيا. وأصبح في بداية الثمانينات كوادر طبية في القوات المسلحة مميزة.
وكانت هذه الكوادر رديفا متميزا مع انشاء كلية الطب ومستشفى الجامعة الاردنية. وهذا ما أدى الى اشتعال المنافسة الشديدة بين القطاعات الطبية المختلفة لتقديم أفضل الخدمات، وعلى الاكتشافات الجديدة في المعالجة وغيرها.في تلك الفترة وأنا هنا أتحدث عن فترة الستينات إلى الثمانينات كانت لدينا ثلاثة قطاعات صحية هي وزارة الصحة والخدمات الطبية العسكرية والجامعات بمستشفياتها وكلياتها.
عقبات عدة
ماهي العقبات التي واجهتك كوزير صحة؟
المأساة الكبرى عندما كنت وزيرا تمثلت في عدد الأسرة،حيث وضعتنا نسبة الأطباء مقارنة مع عدد السكان وفقا لتصنيف الأردن عالميا رقم 40 بين دول العالم، وعدد الأسرة بالتوازي مع السكان فجاء ترتيبنا عالميا 120، وتلك فجوة كبيرة دعتني أن أضع العنوان لمعركتي عندما كنت وزيرا، المطلوب زيادة عدد الاسرة في المستشفيات. وقد زرت مستشفى بإربد في الشمال..
وكنت حينها وزيرا ، فوجدت مريضتين على سرير واحد في قسم النساء، فأمرت التلفزيون الحكومي ان ينقل تلك الصورة. وأجبر ذلك المشهد مجلس الوزراء على استئجار أحد المستشفيات الخاصة لحساب الوزارة وجعلناه خاصا بالنساء. والمشكلة الأخرى تمثلت في رواتب وعلاوات الأطباء ،الذين أعلنوا اضرابا عن العمل لمدة ساعة في مستشفى البشير، فذهبت كوزير وشاركتهم إضرابهم ،ما كان له الأثر السريع في اجتماع مجلس الوزراء بمنحهم العلاوة.
وفي فترة خدمتي انشأت مستشفى الرصيفة في الكورة وآخر جنوب البشير، وكان هدفي إقامة سلسلة من المستشفيات شرقي عمان، لأن غربها كان به ثلاثة مستشفيات كبرى هي المدينة الطبية والجامعة ومستشفى عالية العسكري.
والتحدي الثاني تمثل في ترتيب الوضع العلاجي الصيدلي بالنسبة لصرف الأدوية والعلاجات والاجهزة. وفي ذلك الوقت لم يكن نظام الكمبيوتر متطورا لا محليا أوحتى في دول العالم الأخرى ، الا أنني حاولت تخفيف الهدر المالي في نفقات العلاج ،بايجاد مؤسسة تراقب وتعمل على صرف الوصفات الطبية.ولا نزال حتى الآن في حاجة الى برمجة علمية ،في صرف العلاجات وايجاد الاجهزة في المؤسسات الطبية المختلفة بالدولة.
صحيح لا نستطيع التدخل في القطاع الخاص ،الا ان القطاع الحكومي يجب ان يكون لديه برنامج موحد للعلاج والاجهزة ،وبنك معلومات لكل الذين يراجعون ويتعاملون مع المستشفيات الحكومية، فهناك ازدواجية في المعالجة، حيث نجد البعض يعالج في أكثر من مستشفى ويأخذ اكثر من دواء من مؤسسات مختلفة.
السياحة العلاجية
أشاد دكتور العبادي بنجاح السياحة العلاجية في الأردن لتوفر مميزات أبرزها امتلاك موارد بشرية متقدمة ومتطورة علميا،ولاتقل مستوى من كبريات الدول المتقدمة. ووجود مواقع للعلاج بالمياه الكبريتية والرمال ذات الطبيعة الخاصة، ومياه البحر الميت في الاستشفاء عن طريق الاستحمام والغوص بكامل الجسم في الرمال، والمقومات الطبيعية مثل الينابيع المعدنية وطرق العلاج الطبيعية والتقليدية. وقد ساهمت جميعها في ازدهار وتطوير المنتجعات الاستشفائية.

