يواجه قطاع الزراعة في فلسطين تحديات جمة، تتمثل في سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على موارده الرئيسة من أرض، ومياه وحتى التسويق، ومن المفارقات أن الإحتلال يسرق المياه الفلسطينية ويبيع الفلسطينيين 18% منها بأسعار مرتفعة.
مشهد خطر لسياسات عنصرية وبإجراءات تعسفي، واستهداف واضح لسلخ المزارع عن أرضه، تمهيداً لتدميرها ومصادرتها.
ويصل حجم الخسارة التي تلحق بالقطاع ملايين الدولارات سنوياً، وبلغ بجنود الاحتلال الأمر مصادرة الأبقار والمواشي وفرض غرامات مالية تصل إلى 50% من ثمنها حتى يتم إطلاقها. ولتسليط الضوء على مشكلات الزراعة في فلسطين حاورت «البيان » وزير الزراعة الفلسطيني وليد عساف، وفي ما يلي نص الحوار :
ما أبرز العوامل التي يتأثر بها قطاع الزراعة الفلسطيني؟
يتأثر بعاملين، الأول بيئي ناتج عن التغير المناخي والتصحر ونقص الأمطار والجفاف وسقوط الثلوج والعواصف والمخاطر الطبيعية الناتجة عن تلك التغيرات، والعامل الثاني، الاحتلال بإجراءاته التعسفية، فالصراع قائم على مبدأ من يسيطر على الأرض، فهي المورد الأساسي للزراعة تليها المياه والأسواق، والثلاثة تقع تحت سيطرة الاحتلال، الذي يتحكم فيها بشكل كامل.
إذ يسيطر على 63 % من الأراضي الصالحة للزراعة التي تقع في مناطق «ج » ويمنع إقامة أي مشروعات فيها، ويسيطر على 85 % من المراعي، وهذا يقتل الثروة الحيوانية التي لا يمكن لها التطور من دون المراعي، وهذا يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأعلاف.
ويسيطر الاحتلال على 82 % من المياه الفلسطينية، ويتحكم بها ويمنعنا من حفر الآبار. وتبلغ خسارة القطاع الزراعي نتيجة لإجراءات الاحتلال، عشرات الملايين ونحن نتحدث عن قطاع متواضع لا يتحمل الخسارات.
كيف تعيق إجراءات الاحتلال تطوير الزراعة لديكم؟
من المخاطر اليومية الأخرى الأشد خطورة مقارنة بالعوامل البيئية تلك الإجراءات والسياسات والاعتداءات التي يمارسها الاحتلال وجنوده وقطعان مستوطنيه على الزراعة، حيث تخلع أشجار الزيتون بشكل يومي، ومصادرة للأغنام والأبقار لأنها تدخل مناطق عسكرية مغلقة.
ونحن نتهكم على الاحتلال وسياساته المتطرفة والغريبة، فأبقارنا وأغنامنا لا تقرأ اللغة العبرية، ولا تستطيع فهم اللافتات التي يضعونها، وللأسف فلا يفرج عن تلك المواشي إلا بعد دفع غرامات تصل إلى 50 % من قيمتها.
وهناك مناطق واسعة جداً في الأغوار الشمالية والأغوار الوسطى والجنوب والمناطق الشرقية، وتصل إلى نحو 28 % من أراضي الضفة الغربية تعتبر مناطق عسكرية مغلقة، وهناك منع لمواطنينا من دخولها، رغم أنهم يعيشون فيها.
وعليه فإنهم معرضون للاعتقال في أي دقيقة، مع مصادرة الأغنام وآلاليات، وسبق أن صودرت العديد من التاركتورات مع منع الجانب الفلسطيني من تقديم الخدمات الأساسية من خطوط مياه وكهرباء لتلك المناطق التي يعيش فيها 70 ألف مواطن دون كهرباء ومياه، والمزارعون يواجهون حملة تطهير عرقي لطردهم من أراضيهم.
معيقات وخسائر
ما تأثير سيطرة حكومة الكيان في الأرض والأسواق والمياه والقطاع بشكل عام؟
نحن لا نملك المياه وكل ما نستخدمه على مدار العام لا يصل إلى 18 % من الاحتياج الفعلي لتلبية كل الاحتياجات من زراعة وصناعة وشرب، وبالتالي إسرائيل تسرق مياهنا وتستخرجها من أرضنا وتبيعها لنا بكلفة دولار للمتر المكعب بكميات محدودة.
أما الأرض فالجدار العنصري دمر75 ألف دونم منها، وصودر من خلفه على 670 ألف دونم، يضاف لذلك مساحات الأراضي المقامة عليها المستوطنات، والمناطق التي تعتبر عسكرية مغلقة، ومناطق «ج » التي لا يسمح لنا بالاستثمار فيها، وبهذا لم يبق إلا القليل من مساحة الأرض المحتلة عام 67.
والعائق الآخر الذي تفرضه سياسات الاحتلال بعد السيطرة على الأرض والمياه هو الأسواق، إذ تعمل على إغراق أسواقنا بالمنتجات السيئة والرخيصة، ونحن ليس لدينا بنية تحتية للتخزين الموسع وإذا لم يتم تسويق الثمار والمحاصيل سريعاً تتلف، ونتيجة لعدم القدرة على بيعها بشكل يومي في السوق المحلية نتيجة المنافسة الإسرائيلية تصبح غير طازجة.
ويقل سعرها وتصبح عرضة للتلف، وتتعمد إسرائيل في فترة نضوج المحاصيل الفلسطينية المعروفة بإغراق الأسواق بنفس المحصول بأسعار منخفضة لإخراج مزارعينا من السوق وكسرهم، ليترك الفلاحون الزراعة وتصبح الأرض مهددة بالدمار وبعدها المصادرة، وكنا في السابق نصدر إنتاجنا من البرتقال بينما اليوم نشتريه، وكذلك البطيخ والموز والمشمش وحتى محصول الزيتون، نكاد نخرج من دائرة المنافسة فيه بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج، وعدم القدرة على المنافسة في الأسعار.
ما حجم خسائر القطاع بسبب الظروف المناخية وعوامل البيئة ؟
شهدت السنوات الماضية اختلالاً مناخياً هائلاً جداً، وأمطار غزيرة وفيضانات ورياح شديدة، ما تسبب في تدمير ما قيمته 60 مليون شيكل في السنة الماضية فقط، ووصلت في العام الحالي80 مليون دولار نتيجة الثلوج الكثيفة والسيول والفيضانات والصقيع، وأما ما تبعه من فترة جفاف فلم يسجل بعد.
فلأول مرة في التاريخ الزراعي الحديث لبلادنا يحدث انحباس الأمطار طوال فترة الشتاء من 21 ديسمبر وحتى نهاية فبراير ودخول مارس، إذ لم تسقط أي زخات مطر، وكانت الخسائر ستزيد لولا إغاثة الله لنا وسقوط الأمطار في الأيام الأخيرة وإلا كانت خسائر القطاع ستبلغ بحسب التوقعات 500 مليون دولار، وهطول المطر أنقذ جزءاً من الموسم وقلل الخسائر.
ما خططكم لتطوير قطاع الزراعة ؟
إنه مهم وحيوي بالنسبة لنا لتوفير المنتجات الغذائية، وهو مصدر دخل لعائلات كثيرة جدا خصوصاً الشرائح متوسطة الدخل والفقيرة، ومهم لارتباطه بالدفاع عن الأرض في معركة البقاء والصمود، وخيارنا في الخطط الموضوعة دعم صمود المزارعين في أراضيهم وحماية المشروع الوطني، فتطوير الزراعة بالنسبة لنا ليس مشروعاً اقتصادياً فحسب، بقدر ما هو برنامج للحفاظ على مستقبل الوطن وقيام دولتنا المستقلة.
هل يختلف حجم الإنفاق الحكومي على الزراعة هذا العام مقارنة بالموازنات السابقة؟
حكومتنا الحالية ليست كالسابقة في الشأن الزراعي، فهناك حصة جيدة للوزارة من أي منحة تحصل عليها الحكومة، وموازنتنا في السنة الحالية خمسة أضعاف الماضية، وتلك بادرة إيجابية، ولأول مرة في تاريخ القطاع نتمكن من تقديم 17 مليون دولار لتعويض المزارعين من أضرار منخفض اليكسا.
وكنا في السابق نقدم بين مليون أومليونين، وكانت تثقل كاهل الوزارة، ونقوم حالياً بإعادة بناء كل ما تضرر من المنخفض الجوي اليكسا، وبنسب تتفاوت بين 40 و100 % وهناك 7 آلاف مزارع دمرت منشآتهم وسيتم إعادة بنائها.
وقد تحسنت الآن رؤية الحكومة، حيث تضع الزراعة ضمن أولوياتها. وخصصت الحكومة مليون دولار لتعويض المزارعين، و15 مليوناً لمناطق الأغوار لتنميتها في مواجهة سياسات الاستيطان.
خطة استراتيجية
ما خطة الوزارة لمواجهة المعيقات والتحديات؟
وضعنا خطة استراتيجية تقوم على توسيع المساحات المزروعة بـ 150 ألف دونم من خلال استصلاح أراض جديدة خلال خمس سنوات، وتحويل 60 ألف دونم منها إلى أراض زراعية، وحشدنا تمويلاً، إلا أنه غير كاف.
وبخصوص التسويق فقد أبرمنا اتفاقيات دولية مع الأردن، وبدأنا باتخاذ إجراءات لحماية مزارعينا، بمنع منتجات المستوطنات نهائيا لوقف إغراق أسواقنا المحلية، ونجهز حالياً بنية تحتية للتسويق الزراعي والتخزين وبناء 5 برادات، و8 مراكز تعبئة للتسويق الداخلي والخارجي.
وهناك مشروعات مياه، وأكثر من 15 بركة كبيرة في الأغوار، وفي جنين 7 برك، والجنوب في الخليل ويطة ودورا هناك مجموعة كبيرة من البرك الضخمة لتجميع مياه الأمطار، إضافة إلى حفر المئات من الآبار، وبعض الآبار الجوفية التي نقوم بحفرها واستغلالها من دون علم السلطات الإسرائيلية، لأن هذه مياهنا وهي حق لنا، ويجب أن نستغله.
وأبرز معيقين بالنسبة لنا لتنفيذ الاستراتيجية، هما الاحتلال وضعف التمويل لتنفيذ المشاريع ، ونقوم بإنشاء مؤسسة التأمينات الزراعية وصدر قانونها، وتوجه لإنشاء مؤسسة الإقراض الزراعي.
هل تصدرون أي منتجات إلى دول الخليج ؟
شاركنا بمعرض دبي للغذاء، بسبع شركات، ونحن نصدر إلى الخليج التمور والزيت والزعتر وبعض الخضراوات والليمون، ولكن الأمر بحاجة إلى مؤسسة وتنظيم وتطوير لإيجاد نقاط بيع دائمة في الإمارات، وعبرها يتم التوزيع لكل دول الخليج، ولدينا مشكلة في نقل المنتجات الطازجة فهي تحتاج إلى النقل بالبرادات، ما يجعل الكلفة عالية، وذلك يؤدي لرفع السعر.
ورغم ذلك فإننا ندرك أهمية الأسواق الخليجية لأنها تشكل نقطة فارقة في دعم المزارع الفلسطيني وإنقاذ المحاصيل من السيطرة الإسرائيلية.
دعم الإمارات
أشاد الوزير وليد عساف بدولة الإمارات ووقفتها الدائمة مع أبناء الشعب الفلسطيني، وخصصت مبالغ كبيرة لتلبية احتياجاته، كما تفعل في كل مكان في العالم.
وأملنا أن توجه جزءاً من مساعداتها بشكل مباشر لدعم القطاع الزراعي المحلي، فهو الأمل الحقيقي للحياة في المستقبل، وهناك قيمة مستدامة للمشاريع الزراعية، التي ننفذها، وأي دعم من الإمارات سيحدث أثراً تنموياً وحقيقياً يعزز صمود الشعب، ويقلل من الفقر ويسهم في توفير فرص العمل والحفاظ على الأرض.
وقد طرحنا مجموعة من المشاريع للأشقاء وننتظر الرد حولها، ونأمل أن يكون إيجابياً كعهدنا بقادتها على الدوام.



