قبل ان يلتقط الشعب المصري أنفاسه من الهجمات الإرهابية التي باتت تهدد كيان المجتمع وتشعل فيه ناراً يصعب إخمادها رغم الدور الكبير الذي تلعبه القوات المسلحة والشرطة والأمن الوطني، فوجئ الناس بحرب أخرى لا تقل ضراوة وشراسة عن الإرهاب، والمتمثلة في شبكات الرقيق الأبيض والاتجار في البشر عبر حسناوات عابرات للقارات من كل جنس ولون في هيئة مجموعات للدعارة الدولية للإفساد والقضاء على مستقبل البلد.

وقد أثارت الأنباء التي تواترت خلال الفترة الأخيرة معلنة الكشف عن القبض على أكثر من شبكة دعارة دولية في مناطق متفرقة من مصر، انتباه الكثير من الخبراء والمفكرين، وبشكل خاص رجال الأمن الذين رأوا أن توغل تلك الشبكات في المجتمع بمثابة طريقة جديدة لاختراق الأمن لتعيث فساداً في الوضع الاجتماعي.

وتمكنت الشرطة من القبض على «شبكة دولية» تديرها روسيتان لم تتجاوزا الـ30 عاماً من عمريهما، وذلك في منطقة الدقي بالجيزة، إلى جانب القبض على شبكة أخرى في فبراير الماضي، يُديرها تشيكي الجنسية بمنطقة المعادي بالقاهرة، حيث استغل القائمون على الشبكتين، انشغال قوات الشرطة والجيش في تأمين المنشآت والمؤسسات من حوادث الإرهاب الغاشمة التي ضربت البلاد مؤخراً، لممارسة أعمالهم المنافية لعادات وتقاليد وقوانين وأعراف المجتمع.

نشاطات جنسية

يقول الخبير الأمني علاء عز الدين لـ«عواصم»: اختراق الأمن لا يتمثل فقط في العمليات الإرهابية، ولكن بمثل هذه النشاطات وانتشارها بما يمثل تهديداً للمجتمع، وغير مستبعد أن تكون الظاهرة مخططاً لها بطريقة محكمة هدفها الأساسي محاولة اختراق الأمن وضرب الاستقرار.

وتلك الشبكات من الوارد جداً أن تنجح في تجنيد المواطنين المحليين الذين يسهلون لهم مهمة ممارسة أعمالهم، مستغلين الأوضاع التي تمر بها البلاد، وهذا على غرار ما حدث مع الأطفال الذين تم استغلالهم لتنفيذ مخططات تخريبية في التظاهرات.

ويُضيف الخبير الأمني أن مصر دولة مستهدفة، وهذه الأخطار تؤكد هذا، لذا لابد من التكاتف والتصدي لها، حتى لا تتفشى أكثر، خاصةً أنها تنعكس بشكل مباشر على المجتمع وطبيعته، فالأوضاع في الوقت الحالي لا تحتمل مثل تلك الأعمال القذرة التي تنذر بشر مستطير.

ونحن على ثقة في أن قوات الجيش والأمن سوف تتصدى لمثل هذه الأخطار بالرغم من انشغالها في قضية مكافحة الإرهاب، والمطلوب في الوقت ذاته من المواطنين الى مساعدة الأمن على تأدية مهمته، والإبلاغ عن أي وضع مشبوه، خاصة وأن مسؤولية الأمن لا تقتصر على وزارة الداخلية فقط.

علاقات مشبوهة

وتقول أستاذ الطب النفسي بكلية طب جامعة عين شمس الدكتورة هبة العيسوي، لـ«البيان»: النشاط المشبوه الذي نعيشه حالياً، لم يكن وليد اللحظة، لكنه انتشر نظراً لانشغال الأمن بقضايا أخرى، حيث إننا في مصر نمر بمرحلة خطيرة، تتطلب التصدي لجميع المخربين، ومثل تلك الشبكات الدولية تأتي ضمن قائمة المخربين، والأمن مطالب بضرورة الالتفات لمثل هذه الجرائم بصورة أكثر حزماً وحسماً من الذي نراه الآن، لأن ما يحدث يمثل تهديداً على الأمن القومي والاجتماعي في البلاد.

وتضيف العيسوي : يمر معظم الشباب المصري حالياً بمراحل من الضغط والظروف العصيبة، ما يجبره على محاولة الخروج من هذه الظروف الصعبة من خلال اللجوء للمحرمات، كمتنفس له في ظل ظروف حياتية صعبة في بلد لا توفر له أبسط حقوقه المادية والمعنوية، فيلجأ لتلك العلاقات المشبوهة هرباً من واقعه المر.

انهيار أخلاقي

وتحمل المستشارة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتورة ناهد رمزي، أمر انتشار ظاهرة الشبكات لغياب الأمن الملحوظ في الفترة الحالية، الأمر الذي جعل أولئك المخربين يعتقدون أن اختراق مصر «سهل»، معتقدين في وجود مناخ خصب لممارسة ما يحلو لهم، خاصة أن تلك الشبكات دولية ومتعددة الأوجه والفروع ومتمددة الأمكنة.

ونشاطات المجموعات يكون لها تأثير واضح على الأوضاع الاجتماعية، وتسهم بشكل كبير في الانهيار الأخلاقي للمجتمع وتؤدي لتردي القيم، والوضع الحالي ليس بمقدور الدولة وحدها مجابهته ومحاربته لأنه فوق الاحتمال بخطره الداهم وانتهاكاته الشريرة.

ولابد من إطلاق صيحة تحذير للمتخصصين وعلماء النفس بعدم التقاعس عن أداء دورهم المطلوب تجاه المجتمع، فالوضع في مصر أصبح خطيراً جداً، ولا بد من بذل أقصى الجهود للعبور إلى بر الأمان بتكاتف جهود جميع شرائح المجتمع والدولة بكافة مؤسساتها الحكومية والخاصة.