تكاد تكون كلمة «حلال» أكثر الكلمات العربية انتشاراً في الدول الأوروبية، وتحديداً في بريطانيا، فالمطاعم التي تقدم المأكولات التي تراعي معايير الشريعة الإسلامية كثيرة العدد، وهو ما يتناسب مع الأعداد المتزايدة للمسلمين ممن يسكنون لندن وخاصة العرب الذين يسعون سعياً حثيثاً..
ويبحثون بحثاً دؤوباً في شوارع العاصمة عن الحلال، فيجدونها في أماكن عدة، ما يعكس تمسك الجاليات المسلمة بالعبادات والمعاملات الشرعية. إلا أن هناك في بعض المطاعم ما يشير إلى طرح سؤال يتعلق بالهوية لدى مسلمي بريطانيا.
حيث إن غالبيتها يقدم إلى جانب المأكولات الحلال مشروبات كحولية، ليقفز السؤال كيف يستقيم أكل اللحم الحلال مع تناول النبيذ؟ سؤال قد تؤدي محاولة الإجابة عليه إلى الكشف عن أزمة هوية تواجه قطاعاً كبيراً من العرب والمسلمين.
(محمد ك) شاب مغربي في الثلاثينات من عمره يعمل في مطعم لتقديم الوجبات الشرقية بحي توتين بيك في لندن. المطعم الذي تمتلكه عائلة سورية لا يقدم مشروبات كحولية، وهو الأمر الذي يثير سعادة محمد الذي يرى أنه يجب على مسلمي الغرب التمسك بثوابت عقيدتهم وعدم الانزلاق إلى ما يصفه بالانسحاق أمام الغرب الذي فقد بوصلته الأخلاقية. محمد يحافظ على الصلاة وصوم رمضان، وزوجته الفلسطينية المتحجبة تواظب على دروس حفظ القرآن.
وجهة نظر محمد عن ضرورات السلوك المثالي للمسلمين في الغرب، تختلف كثيراً عما يقوله الشاب اللبناني (حيدرة م) الذي يعمل في محل لتقديم المأكولات الشرقية في أحد أحياء لندن الجنوبية. المطعم الذي يقدم مأكولات لبنانية ويعمل فيه (ياسين ع)، لكنه يقدم مشروبات كحولية وهو الأمر الذي يقول عنه: إنه يدخل في إطار الضرورات التي تبيح المحظورات.
وشدد في كلامه على أن حاجته للوظيفة، تبرر له عمله في محل يقدم الخمور. وهو الذي عانى كثيراً في بلده من أجل الحصول على عمل يوفر له حياة كريمة. «هنا يا أستاذ تجد إسلاماً بلا مسلمين.. فالناس تحترم بعضها البعض والحكومة توفر الكثير من أجل مواطنيها، وتكفي نظرة لأوضاع بعض بلادنا الإسلامية، لتجد السرقة والذل واحتقار الفقراء».
«بضاعة من؟»
في مطعم لتقديم الفلافل في غرب لندن، يقف (يحيى) الخمسيني وهو يوزع ابتسامته على جميع زبائنه بلحيته كثيفة الشعر وطويلة المنظر، ويرى أن الغرب وإنجلترا بشكل خاص مدينون للعالم الإسلامي بالكثير من الرخاء الذي يعيشون فيه وهو ما يشرحه بالقول: «لقد بنوا حضاراتهم على العلوم التي أنتجتها حضارة المسلمين ثم استعمرونا ونهبوا ثرواتنا..
ولم يكتفوا بذلك بل منحوا أرضنا إلى اليهود». يحيى يستفيد لأقصى حد من التسهيلات والإعانات التي تقدمها الحكومة البريطانية لمواطنيها، لكن ذلك لا يعني أنه يشعر بالانتماء إلى ذلك البلد: «أنا فلسطيني مسلم.. وهذا ما أعلمه لأبنائي الخمسة.. أربيهم على أن كل ما يرونه من تقدم ما هو إلا بضاعتنا وقد ردت إلينا».
نزعة عنصرية
طاهر ح الباكستاني المولود في لندن يرى أن الحديث عن شرق في مواجهة غرب لا يؤدي إلا إلى إذكاء النزعة العنصرية عند اليمين البريطاني من جهة، وإفشال محاولات إدماج المسلمين في مجتمعهم الجديد. «بضاعة من التي نستردها؟»، إنجازات الحضارة الغربية هي منتج إنساني ومن حق البشرية كلها أن تستفيد منها بغض النظر عن الدين والعرق..
إن الحديث عن الانتقام والمواجهة سيفرز نتائج سلبية على المسلمين في الغرب.. ألم تكفهم معاناة مسلمي الغرب بسبب بن لادن. "إذاً، السؤال عن الهوية الإسلامية في الغرب يبدو مرتبطاً كثيراً بالخلفية الثقافية والعرقية والسياسية والاقتصادية لأصحابها كما هو مرتبط بالواقع الذي يواجهونه في بلاد الإنجليز".

