اسمها الحاجة أم رضا "79 عاماً"، مسكينة جارت عليها الحياة فأغرقتها في بحر الحرمان، ولدت بإحدى البوّابات المنسيّة في إحدى ضواحي بيروت، هي ضحيّة الرغيف.
في "شبه غرفة"، بسقف أو يكاد، غفت في حضن النسيان، تخلو من أدنى مقوّمات العيش، تفوح من جدرانها رائحة الرطوبة، وفيها ما لا تراه عين، لكونها ربما تليق بأسراب النمل الذي يحبو على سريرها، تعيش العجوز التي أتعبتها الحياة فجلست ترتاح وتركت للأيام أن تتابع مسيرتها على وجهها.
وبشيء من الواقعية، يمكن القول إن المستلقية على سرير وسط غابة من صناديق الكرتون وأكوام المخلّفات البشرية، من أغطية وألبسة وقوارير بلاستيكية، تحيطها وكأنها تحميها من غدرٍ آتٍ، تنتظر، ربما، معجزة لا تتحقّق، وأغلب الظنّ أنها لم تسمع بكل قوانين ضمان الشيخوخة، ولا يُسأل عنها، وقد حفر الزمان تجاعيد عميقة على وجهها وحزناً أصيلاً في عينيها لا يدرك سرّه أحد، إلى جانب أسى وحنين، ربما لأيام ماضية، أو لأهل مضوا، أو لدفء عائلة كانت.
هي هناك دائماً تعيش مع ابنها رضا "51 عاماً" الذي يعاني إعاقة عقليّة لم تمكّنه يوماً من القيام بأي عمل، بقدر استطاعته وخبرته، يقوم أحياناً بإعانة والدته، مردّداً لازمة حفظها عن ظهر قلب: "ما معنا مصاري ناكل". ودون أن يغفل هوايته المفضّلة، وهي تجميع صور الشخصيات السياسية اللبنانية، وتنسيقها في زوايا الغرفة!
لم يدخل إلى قاموس حياتها رنين الهواتف الخلوية أو العادية، أو شاشات التلفزة والأجهزة الكهربائية، وبالكاد تتوافر بغرفتها بعض الأغطية الصوفية التي لا تحميها من برد قارس يدخل من باب "بيتها" العريض، وهو شبه باب تفتحه نفحة هواء.. تحاكي خيالها، إذا ظهر صدفةً ونادراً مع دخول الشمس..
فالظلام يحيطها من الجهات الأربع: ظلام نفسي ومعيشي.. وكلما زاد عمرها غلّبها الفقر والحرمان والمرض، ليصبح الغد لها بمثابة يوم آخر من عذاب يضاف الى روزنامة أيامها وحياتها.
ابنها محمد الذي كان يعيلها تُوفي منذ سنوات عدّة، وكذلك ابنتها مريم.. وتعاني الآن من مشاكل في قدميها حرمتها من المشي، ومن ضعف بجسدها وصعوبة بالنطق في أغلب الأحيان..
وبالكاد تمشي على يديها، وصفحة وجهها تحمل اعترافاً بأن المشي على اليدين أفضل من الجمود، وإذا مشت سرعان ما تقع لتستسلم في فراشها اليابس لا حول ولا قوة لها.. أما الصراخ، فيشكّل وسيلتها الوحيدة للتعبير عن جوعها، لتسكن بعد إطعامها حتى تجوع مجدّداً.
دخول الغرباء
"والله، ميتة من الجوع". عبارة تبادر أم رضا بها فور تيقّنها من دخول أحدهم أو إحداهنّ الى غرفتها، إذ لا حاجة لاستئذانها من أجل استكشاف أحوالها، وقد اعتادت دخول الغرباء للحظات بقصد التبرّع لها بما تيسّر. وما أن يقترب الزائر من سريرها، حتى تبادر بالقول: "أهلاً وسهلاً.. شو في أكل؟".
تتنهّد، كأنما تحاول أن تتذكّر كلمة طيبة، أو لملمة ما استطاعت من ذكريات التواصل مع الناس. وفجأة يجفّ الكلام في حلقها. لآلام ذكرياتها التي أودعتها بئر النسيان، وقد عادت تراودها، فتحجم عن إطلاق الحرية لفمها، وتصمت.
قصتها فريدة، يعتريها الغموض والتشويش، ربما لأنها المصدر الوحيد المخوّل سردها، وهي في كل مرة تتهرّب من الإجابة عن الأسئلة المتعلّقة بالظروف التي نقلتها من وضعها الميسور، الى حالة هي فيها. وعند سؤالها عن أوراقها الثبوتية، فتغيّر الحديث، لتتهرّب من شيء لا يعرفه أحد سواها.
وعند زيارتها، قد يكون السؤال فرصة لإطلاق العنان عن حالها، والسؤال: "كيف الحال"؟.. وهكذا الجواب: "أية حال؟ أهذه حال؟ لا مشرب ولا مأكل، لا ملبس ولا شيء على الإطلاق"، وترندِح متنهدة: "الله يخليلي هالجيران... ما في منّن".. أما قوة الإيمان لديها، فأبقت كلمة "الله بعوني" على لسانها دائماً.
ولطالما استنجدت به عله يريحها من الزمن المرّ، "دخلك يا ربّي لشو مخلّيني؟ للشحار والتعتير؟ خدني لعندك وريّحني من هالعيشة"، تقولها والغصّة تغلّف كلماتها، لتتناول بهدوء موزة ترمي بقشرتها بعد دقائق على الأرض. وجبة الغداء تأتيها من جيران لاتزال نخوتهم حاضرة، إذ يقدّمون لها ولابنها صحناً من غذائهم اليومي.
