يعاني البحث العلمي في الدول العربية وضعا صعبا للغاية جعل الفجوة تصبح كبيرة اذا ما قورن بنظيره عالميا. واذا حاولنا الوقوف عند الجانب المالي لمعرفة ما يتم صرفه نجده بأي حال لن يصل إلى مبلغ الملياري دولار سنويا ان لم يكن أقل، وهو مبلغ قد يعادل ما تصرفه جامعة واحدة في أميركا.

واذا أردنا المقارنة بين حصة الفرد عربيا بالعالمي فالبون شاسع حيث تصل للأول خمسة دولارات في أحسن الأحوال بينما تقترب من الألف دولار في الولايات المتحدة وأكثر من ألف دولار في السويد. وحجم البحوث العلمية العربية شحيحة جدا مقارنة بالنسب العالمية. ونشرت في الوطن العربي عام 2006 أبحاث اقتربت في مجملها من أحد عشر ألفا ومائة بحث أي نحو 35 بحثا لكل مليون عربي، والنسبة العالمية أكثر من 140 بحثا لكل مليون. وهناك 135 باحثا لكل مليون عربي، مقابل 4400 في أميركا.

ومعاناة الوطن العربي في مجال البحث العلمي الذي لا يجد اهتماما كبيرا من قبل المسئولين والحكومات انعكس سلبا على تصنيف الجامعات العربية مقارنة بغيرها.

في آخر تقرير صادر في شأن مستويات 500 جامعة على مستوى العالم لم تكن من بينها سوى جامعة عربية واحدة صنفت وفق المعايير المعتمدة كقاعدة يحتكم عليها وفي مقدمتها مدى الاهتمام بالبحث العلمي كما ونوعا وصرفا ماليا، والغريب ان الجامعة في الترتيب ما بعد الرقم 400 .

ملف البحث العلمي الذي نفتحه كقضية مهمة ذات جوانب متعددة تشمل قلة الإمكانيات التي تحول دون تحقيق الغايات، ونظام التعليم الذي يخرج الكثير من الأميين بمعدلات يندى لها الجبين. الآراء تعددت حول القضية ولكل وجهة نظره ولكل بلد ظروفه، ولكل جيل فضاءاته.

 

جامعة السلطان قابوس بؤرة البحث في عُمان

يعدُّ البحث العلمي أحد أبرز الركائز الأساسية في أي جامعة تسعى لتحقيق التميز والاعتراف الدولي. وقد أكد المسؤولون في سلطنة عمان أهمية البحوث ودورها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية،عبر تطوير البيئة البحثية وبناء القدرات وإنتاج المعرفة وإيجاد الحلول للقضايا الاستراتيجية في البلاد.

وقال نائب رئيس جامعة السلطان قابوس للدراسات العليا والبحث العلمي البروفيسور عامر بن علي الرواس، إن الجامعة تضم حاليا تسعة مراكز بحثية في مجالات: النفط والغاز، رصد الزلازل، البيئة، البحوث الإنسانية، التقنية الحيوية البحرية، الدراسات، المياه، الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية، والاتصالات والمعلومات.

وهناك ثلاثة كراسي بحثية هي: اليونسكو للدراسات الحيوية البحرية، وشل لأبحاث النفط والغاز، ومجلس البحث العلمي لتقنية النانو في مجال تحلية المياه.

وتركز الجامعة على ثمانية محاور بحثية رئيسية هي: الأبحاث البيئية والحيوية، الطاقة والموارد غير المتجددة، علوم الحياة والعلوم الصحية، العلوم الاجتماعية والإنسانية، نظم المعلومات والاتصالات، الأبحاث الأساسية، أبحاث المواد، الأبحاث التربوية، والأبحاث المتعلقة بالصناعة.

ومن نماذج المشاريع البحثية المنفذة في المحاور على التوالي: إدارة التربة والمياه المتملِّحة للزِّراعة المستدامة، تحسين إنتاجية النفط باستخدام التقنية الحيوية، ضغط الدم ، متلازمة الأيض الغذائي، ومسح خرائط الموروثات، أثر وسائل الإعلام الجديدة على التنشئة الاجتماعية، الحد من الحوادث المرورية من خلال تصميم شبكات الاتصال بين المركبات وتطوير بروتوكولات لنشر رسائل تنبيه آلية، خصائص النيازك،استخدام الكربون منزوع المياه من سعف النخيل والمحور سطحيا لمعالجة التلوث، أسباب ضعف مستوى اللغة الإنجليزية عند خريجي المدارس العامة، دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات الزراعية في ترقية الزراعة المستدامة من أجل التنمية الريفية والأمن الغذائي.

تمويل البحوث

وتوجد ستة مصادر لتمويل البحث العلمي تتمثل في المنح الداخلية، حيث قدمت الجامعة 1072 منحة بحثية داخلية حتى نهاية 2013. ومنح التمويل السامي لدعم المشاريع البحثية ذات البعد الاستراتيجي للسلطنة ،حيث مُوّل حتى الآن 65 مشروعًا بحثيًّا. وتعدّ الشراكة البحثية مع جامعة الإمارات هي الانطلاقة لبرنامج التمويل المشترك مع مؤسسات خارجية، وحتى نهاية 2013 تم تمويل 14 بحثًا مشتركا.

كذلك تعد الخدمات الاستشارية ومنح مجلس البحث العلمي والمنح الخارجية من مصادر التمويل الأساسية للبحث العلمي بالجامعة وحتى نهاية 2013 وقعت الجامعة 425 عقدًا لتقديم خدمات استشارية للقطاعين العام والخاص، وحصلت على تمويل لـ 53 بحثًا من مجلس البحث العلمي، وحصلت على 32 منحة خارجية من هيئات ومنظمات إقليمية ودولية.

وتعد برامج الدراسات العليا من المصادر الحيوية التي تدعم تطور البحث العلمي، وحاليا يوجد في الجامعة 62 برنامجًا للماجستير و31 برنامجًا للدكتوراه. والجامعة لديها ست مجلات علمية محكمة، اثنتان منها مسجلة في قواعد البيانات العالمية "سكوبكس"، إلى جانب تنظيمها بين 20-25 مؤتمرا سنويًا، ودعمت الجامعة 647 باحثًا للمشاركة بتقديم أوراق عمل في مؤتمرات دولية خلال العام الماضي.

وشهدت عملية النشر تقدمًا ملحوظًا، وتشير النتائج إلى أن الباحثين بالجامعة نشروا في العام قبل الفائت 594 ورقة علمية في مجلات علمية محكمة، تمثل ما نسبته 74% من إنتاج السلطنة للأوراق العلمية وفقًا لمصدر سكوبكس. وذلك غير الأوراق المنشورة باللغة العربية وأخرى منشورة في المؤتمرات الدولية. والجامعة مستمرة في جهودها لتطوير قدراتها البحثية، والارتقاء بها من أجل خدمة التنمية والمجتمع وتعزيز مكانتها العلمية عالميا.

 

ثقافة البحث تغيب عن جامعات الأردن

يعتبر ملف البحث العلمي واحدا من الملفات الكبرى التي تعاني منها الجامعات الأردنية، وسبب ضعف البحث العلمي في المملكة يعود لغياب ثقافته، وتشويش منطق الترقيات الادارية التي تعتبر السبب الرئيسي في تنفيذ البحث العلمي، وليست النتائج العلمية المستخلصة من الابحاث.

والغريب في الأمر ان شركة البوتاس العربية وعدت منذ فترة طويلة أنها في اطار خطتها المستقبلية لدعم المجتمع المحلي، ستركز على تقديم كافة المساعدات التي تسهم في الارتقاء بالبحث العلمي في الجامعات الوطنية المحلية، بما يعود بالفائدة على المهن الصناعية ويخدم مصلحة الوطن. ما جعل جامعة مؤتة الجارة الاقرب لمقر الشركة تنتظر ويبدو ان انتظارها سيطول كثيرا.

وبحسب تقرير رسمي كشفت عنه وزارة التعليم العالي فإن نسبة الانفاق في الجامعات الرسمية على البحث العلمي تتراوح بين 0.3% في أدناها و4.8% في أعلاها. وفي الجامعات الخاصة تتراوح نسبة الانفاق على البحث العلمي بين 0% و3.8%. ومؤخرا وبما يشبه الاحتفال أعلنت الجامعة الأردنية انها حصلت على تمويل لدعم أربعة مشاريع بحثية لأعضاء هيئة تدريس وباحثين لديها من صندوق دعم البحث من أصل 12 بحثا معتمدا.

وأنشئ صندوق دعم البحث العلمي في المملكة بموجب قانون التعليم العالي والبحث العلمي، بهدف دعم البحوث المقدمة من الباحثين، وتقديم الدعم المالي لمشروعات الجامعات الوطنية والمؤسسات العامة والخاصة ذات العلاقة، وتشجيع المشاركة العلمية والبحثية في مؤسسات التعليم العالي، وتوجيه الباحثين نحو البحوث الأكثر فائدة لتلبية حاجات المجتمع.

وجاءت مشاريع الجامعة الاردنية التي نالت الدعم في مجالات العلوم الأساسية وعددها 3 بكلفة إجمالية تزيد على ربع مليون دينار أردني، والعلوم الزراعية والبيطرية بكلفة إجمالية 73.800 دينار أردني.

مخصصات مخجلة

وكشف الخبير الأممي في الطاقة الدكتور سفيان التل لـ "البيان" ما وصفه بالمفاجأة تلك التي وردت في تقارير رسمية تشير إلى أن مبلغ 5 ملايين و215 ألف دينار، كانت اجمالي مخصصات للبحث العلمي والايفاد في موازنات جامعات رسمية وخاصة، ولم يصرف منها خلال السنوات الثلاث الماضية سوى2 مليون و769 ألف دينار في جامعات رسمية و2 مليون و446 ألف دينار في جامعات خاصة.

والأمر محزن والرقم مخجل، ونحن نسمع أن ثلاث جامعات رسمية أنفقت مخصصات البحث العلمي، وأربع فقط انفقت مخصصات الايفاد، في حين أن جامعة خاصة واحدة، انفقت مخصصات البحث العلمي والايفاد، وبنسب أكبر من المدة بموجب القانون. وكشفت الأرقام الرسمية عن ضعف في الانفاق على البحث العلمي بحسب النسب الواردة، فغالبية الجامعات الرسمية 7 من أصل عشر جامعات" كانت نسبة الانفاق أقل من 1.9% فما دون، والثلاث الأخرى أقل من 1%.

ويرى الدكتور نضال يونس ان مجمل الابحاث العلمية في الجامعات المحلية يشير واقعها انها بسبب الترقيات الادارية وليس لأهداف علمية.

واستراتيجيات البحث هي السبب في تلك الحالة،التي آلت إليها احوال البحث في بعض الجامعات، حتى وصلت الأمور إلى مستوى تراكم مخصصات البحث في الجامعات الخاصة "على قلتها"ما يقارب من 2.5 مليون دينار مضى على تخصيصها ثلاث سنوات دون صرفها في مشاريع البحث. ويوجد جبل ضخم من المشاكل المتفاقمة إدارياً ومالياً، والسبب غياب ثقافة البحث العلمي، وضعف الآليات المنظمة والمحفزة له في الجامعات.

 

كفاءات تونس العلمية تحقق انجازات في المهجر

تعاني تونس من هجرة منظمة لكفاءاتها العلمية في مجالات شتى وتتجاوز أعداد الموجودين بالخارج ستين ألفاً في معظم أنحاء العالم، خاصة في أميركا وأوروبا وكندا واليابان، وقد احتل العديد منهم مواقع مرموقة في أهم مراكز البحوث العالمية، النانو تكنولوجيا والاختصاصات العلمية الدقيقة مثل الإعلامية وتقنيات الاتصال والعلوم والهندسة.

وما انفك المخترعون والباحثون التونسيون الشبان يحققون إنجازات علمية مهمة على الصعيد الدولي، ففي العام الماضي حصلت الباحثة حياة عمري على الميدالية الذهبية في الأولمبياد العالمي للمخترعين والاختراعات الذي احتضنته تونس، واختيرت كأفضل مخترعة في إطار منافسة جمعت 100 مخترع عالمي بينهم 50 أوروبياً، ونال الشاب أنيس العويني بمسابقة في النمسا جائزة أفضل اختراع لسنة 2013 باختراعه آلة لتوليد الطاقة الكهربائية بالرياح وفق حركة ميكانيكية ثلاثية الأبعاد تتحول إلى طاقة هيدروليكية ليحولها بمرحلة ثالثة لطاقة كهربائية.

وفي صالون الاختراع والابتكار في فرنسا، أكتوبر الماضي، توّجت تونس ثالثة باختراع للدكتور مراد خميري بآلة لتكبير الفك العلوي إلكترونيّاً للأطفال ناقصي النُمو. ودعا وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق المنصف بن سالم لرفع ميزانية البحث التي تبلغ حالياً 1 في المائة. وقال إن البحث العلمي لايزال متخلفاً ونسبته في البلدان غير المتقدمة تبلغ 2.5 بالمائة.

وتشير إحصائية رسمية إلى استغلال 8 براءات اختراع فقط من مؤسسات اقتصادية على الصعيد الوطني من بين 279 براءة اختراع مسجلة منذ سنة 2000 وحتى 2011، والنشريات العلمية خلال السنوات الأخيرة متواضعة، ومؤشر معدل عدد الإسهامات السنوية الصادرة بالمجلات العلمية المفهرسة لكل مدرس باحث لم يتجاوز 0.3 في المائة سنة 2008 بالنسبة إلى كافة الاختصاصات. و3302 سنة 2010.

وعدد المختبرات لسنة 2010 بلغ 147 مختبراً تضم 2895 باحثاً و1477 طالباً بالماجستير. والطلبة من الباحثين المرسمين بالدكتوراه 2894، والمنشورات بالمجلات العلمية 1186 وبراءات الاختراع 42. وبلغت وحدات البحث 609 وتضم 6255 باحثاً و2845 طالباً في الماجستير و5368 طالباً في الدكتوراه، وأنجزت 266 أطروحة دكتوراه و1756 نشرية علمية و37 براءة اختراع.

وتتوزع مختبرات ووحدات البحث ومدارس الدكتوراه في مجالات علوم الحياة والبيوتكنولوجيا والبيولوجيا والعلوم الصحيحة والعلوم القانونية والاقتصادية والتصرف وعلوم وتقنيات الهندسة والعلوم الإنسانية والاجتماعية.

تعاون دولي

وفي مجال التعاون الدولي، انخرطت تونس في العديد من اتفاقيات الشراكة سواء على الصعيد الثنائي أو متعدد الأطراف، ومن ضمن برامج الشراكة «مذكرة تفاهم لبعث برنامج تعاون بين الجامعات ومراكز البحث مع الوكالة الإسبانية للتعاون الفني»، و«برنامج تنفيذي لاتفاقية التعاون الثقافي والعلمي والتقني مع حكومة البرتغال»، و«برنامج ثلاثي للتعاون العلمي والتكنولوجي التونسي الهندي».

وتقدر الاعتمادات المخصصة للبحث العلمي بميزانية الدولة لسنة 2012 بنحو 110 ملايين دينار، وكان النظام السابق وعد بالارتقاء بحصة القطاع من الناتج المحلي الإجمالي من 1.25 في المائة في العام 2010 إلى 1.5 في المائة سنة 2014 واستحداث 3 أقطاب إقليمية للبحث العلمي والتجديد التكنولوجي ووضع خطة لإرساء نظام الجودة في مراكز البحوث حسب المواصفات العالمية.

وكانت هناك وعود بإنشاء مركز خاص بالباحثين العاملين في المؤسسات العمومية للبحث مع وضع إطار قانوني خاص، وحفاظاً على الوضعيات القانونية للمدرسين الباحثين التابعين للجامعات المباشرين بالمؤسسات العمومية، بحثت إمكانية إدماجهم بطلب منهم في سلك الباحثين المزمع إحداثه بمقتضى الكادر القانوني الجديد.

غياب الأولويات

ويرى مدير البرامج والشراكة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي محمد نجيب الأزهري، أن الاستراتيجية الوطنية في قطاع البحث والتكنولوجيا، تشكو تذبذباً وبحاجة للإصلاح، والأولويات في قطاع البحث لم تحدد بشكل علمي. والتركيز في البحث يجب تركيزه على الميادين التنافسية التي تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وجلب الاستثمارات، وتثمين نتائج البحوث محلياً وعالمياً.

والمطلوب إعادة النظر في جانب مهم من المنظومة القانونية التي تنظم قطاع البحث، بمنح الاستقلالية المالية والإدارية لمراكز البحث حتى تتمكن من تيسير شؤونها بكفاءة سواء في الانتدابات أو تسهيل تنقل الباحثين، أو اقتناء التجهيزات العلمية خاصة الثقيلة منها بصفة فورية دون انتظار الإجراءات الإدارية المطولة، والمهم مراجعة آليات انتداب الموارد البشرية في المراكز البحثية، بما يحقق مردوداً أفضل.

وأوصت وزارة التعليم العالي بتطوير القطاع بإبرام عقود برامج مع المراكز ومعاهد البحث، وتعميم تغيير صبغة مراكز ومعاهد البحث إلى مؤسسات علمية وتكنولوجية ذات صبغة عامة، ومواصلة تأهيل هياكل البحث وإنشاء مجمعات بهدف تجميع القدرات البحثية المتميزة وتحقيق التناسق والتكامل بينها، والتوظيف الأمثل للموارد المالية بما يلبي الحاجات الوطنية من البحوث التنموية في الميادين ذات الأولوية.

شراكة أوروبية

ووفر الاتحاد الأوروبي في شكل هبة 23 مليون دينار «12 مليون يورو»، تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي، خاصة من خلال تكوين الكفاءات العالية في المهن الجديدة المرتبطة بإدارة البحث العلمي والتجديد. وأقر مشروع دعم نظام البحث العلمي والتجديد ، لتعزيز فرص العمل بتوحيد الروابط بين نظامي البحث العلمي والإنتاجية.