آمال بعيدة المنال وسط ركام الطائفية

ربيع العرب يمنح طائفية لبنان منعة

صورة

لبنان بلد تنسم عبير الحرية باكرا واكتوى بنار الديمقراطية ردحاً من الزمن، إلا أنه

لايزال يعيش على وقعه الخاص، يتخبّط في مشاكله، حتى بعد تشكيل حكومته الجديدة التي أفرزها مخاض عسير استمر عدة أشهر، تجاذب مقاعدها وحقائبها زعماؤه المتعدّدون، ليحتكروا بعضها ويطالبون ببعضها الآخر باسم طوائفهم، وهو "حقّ" لا يكفله الدستور وإنما عرف يتوارثونه منذ نشوء الجمهورية الأولى.

لبنان الذي كان معروفاً بكونه "يصدّر" الديموقراطية إلى بلدان العالم العربي، رافق الأحداث التي جرت في أكثر من بلد عربي، حتى أن العدوى انتقلت إليه، فأنتج انتفاضته الخاصة تحت عنوان إسقاط النظام الطائفي، فاعتبرها البعض رمزيّة وغير فعّالة، بينما رأى فيها آخرون خطوة أولى يجب أن يُبنى عليها بجديّة للتحوّل الى دولة علمانية لا طائفية، إلا أن تلك المحاولة ما لبثت أن أجهِضت في مهدها، واختار البلد أن يبقى على هامش الثورات.

أما "القطبة المخفية"، بحسب رأي رئيسة معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف الدكتورة فاديا كيوان، فـتكمن في كون النظام الطائفي هو علّة لبنان منذ تأسيسه، وأن الديمقراطية التي طالما ميّزته بين "أشقائه" ما هي إلا ديمقراطية مقنّعة. ولذا، فإن الكل يعلم، وفق رأيها، أن أي مجموعة طائفية هي أضعف من أن تنتفض على النظام بمجمله، طالما أن الزعيم يُسوّق لها على أنها مستهدَفة كطائفة. مكتفياً بحالة الانقسام التي لاتزال قائمة حتى الآن.

وما بات معلوماً هو أن العديد من اللبنانيين ضاقوا ذرعاً بالنظام القائم، ولو لم يعلنوا ذلك صراحة. أما الساسة في لبنان فلا يشعرون بأي تهديد، إذ يحميهم نظام طائفي محكَم، وهم يدركون أن أي انتفاضة على ذلك النظام تستلزم انتفاضات على أكثر من طائفة، وأكثر من مؤسسة، وأكثر من زعيم. وهم بالتالي، يستمدّون قوّتهم من تعدّدهم، حسب قول الباحث في علم الاجتماع الدكتور الجامعي أنطوان مسرّة.

وبعيداً عن الواقع الخاص في البلاد، لا يبدو مشهد ما آلت إليه الانتفاضات الشعبية في أكثر من بلد عربي وردياً بالنسبة للمتابعين في لبنان، ومنهم الوزير السابق جورج قرم الذي يلخّص المشهد كالتالي: "الجارة" سوريا تتعرَّض لتدمير دموي مؤلم، مصر أصبحت في حالة متوتّرة للغاية بين "الإخوان المسلمين" والتيارات العلمانية الليبرالية أو القومية. وتحفل ليبيا بأوضاع ضبابية غير مستقرّة، تشوبها أعمال عنف. تونس تتسم بتوتر بين العلمانيّين والسلفيّين. وأوضاع اليمن معقّدة بين مشكلة الجنوب والحوثيين وإسلاميّي "القاعدة" الناشطين.

تعقيدات كبيرة

ودون الدخول في التعقيدات الكبيرة لكل ساحة من الساحات الثورية المتألّمة، وإن كانت المشتركات موجودة في خلفية كل المسرح السياسي، بحسب رأي الكاتب السياسي سليمان تقي الدين، فإن المتابعين يجمِعون على أن ذلك المشهد لم يحقّق شيئاً من مطامح الشعوب التي انتفضت على أنظمتها السابقة. وفي الوقت عينه، ينقسمون حيال استشراف الآتي، بين من يرفض الاستسلام لليأس ويقول إن الربيع لايزال يفرز تداعيات لم تنتهِ، وإن الحلقات الثوريّة تمرّ دائماً عبر حركات صعود وتراجع، قد تطول عقود قبل أن تستقرّ على أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة تعيد لُحمة المجتمع وتغّير نمط حياة الشعوب إلى الأفضل، وبين آخر يرى أن الربيع انتهى وأن خريفاً غاضبا يجري حالياً وسوف يستمرّ حتى تهدأ العاصفة.

يقول أحد داعمي الرأي الأول الأستاذ الجامعي سعود المولى إن ما تشهده بعض دول العالم العربي قضى على الخوف والعزلة وكشف التناقضات الاجتماعية ورواسب المرحلة الماضية وزيف الدول التي تغطّت بالقومية والعلمانية، مشدّداً على أن المرحلة الحالية هي بمثابة زمن انتقالي بين دول ومجتمعات تموت إلى أخرى لم تولد بعد، والتحوّلات تأخذ وقتاً، قد تواجه فيه انتكاسات، لكن "القيح لا بدّ أن يزول".

وبحسب أصحاب الرأي الثاني، فإن ما جرى لم يكن انتفاضة شعبية عفوية تسعى لإجراء تحوّلات في الأنظمة السياسية القائمة، وإن الصراع لم يكن بين الحرية والاستبداد، وأن شعار إسقاط الاستبداد هدف منذ البداية إلى إبعاد الصراع عن إطاره الوطني الحقيقي ونقله إلى أرضيّة الصراع على السلطة الكيانية بين مكوّنات اجتماعية ما قبل دولتيّة للتمكّن من خلق دول كسيحة لا تُدار إلا من الخارج.. ذلك أن البلاد التي شهدت انطلاق رياح التغيير كانت ولاتزال عرضة لصراع خارجي، ومطامع دول تتنافس للسيطرة على مقدراتها وثرواتها، وأن شعوبها لا يمكن أن تقود معركة تحوّل ديمقراطي في الداخل بمعزل عن تحرّرها من الهيمنة الخارجية أولاً.

هل بات الربيع العربي شتاءً قارساً أم خريفا كالحا؟.. ردّاً على السؤال، تجمِع أكثرية قوى 8 مارس على أن الربيع العربي صار خريفاً، وأن الزمن الحالي هو زمن الفوضى. فالربيع يحتاج إلى نقاش، المصطلحات الوطنية الكثيرة أصبحت خدّاعة، والعالم العربي "إنحرف" ودخل في أفكار برّاقة، فيما قامت لعبة الأمم بإبعاد الإصلاح وتغذية الإرهاب، ما جعل الصراع خطيراً، حتى بين مكوّنات الإرهاب والتطرّف أنفسهم.

ومن بوّابة إشارته إلى أن الشعوب العربية مؤمنة، لكنها بحاجة إلى برنامج إصلاحي سياسي، يرى النائب اللبناني فريد الخازن أن الواقع الحالي يتّسم بالكثير من الضبابية. أما المشكلة الأساس، فتكمن في عدم وجود نموذج ديمقراطي يُحتذى به، وفي غياب القائد العربي الذي يمكنه قيادة الانتفاضات الحالية، ليخلص إلى القول: الربيع العربي أصبح مرادفاً للتطرّف وعدم الاستقرار.. أما لبنان، فلايزال في عين العاصفة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات