على عتبة الشهر الأخير من فصل الشتاء، وتحديداً في فبراير الحالي ويسميه الفلّاحون "فحْل الشِتي"، لا يزال هطول الأمطار في لبنان "خجولاً" جداً، مهدّداً بتلْف الموسم الزراعي وضرب السياحة الشتوية وبكوارث على صعيد شحّ المياه، الى حدّ راج معه تعليق ساخر يتداوله بعض المواطنين: "الدني لح تضلّ مصيّفة.. لأنّو فصل الشتاء تأجّل للسنة الجايي "المقبلة".
وفي بعض القرى والبلدات التي تفتقد المطر لريّ مزروعاتها أو لتغذية الآبار التي تكاد تنضب من المياه، لا سيما في مناطق الجنوب والبقاع، علت صرخات المزارعين بعد أشهر الجفاف الأخيرة، ولسان حالهم الآبار بدأت تفرغ، متحسّرين على أيام العزّ، إذ في مثل هذه الأيام عموماً، كان طول نبتة القمح يتجاوز 40 سنتيمتراً فوق وجه الأرض.
أما اليوم، فهي تكاد لا تظهر، وأملهم أن تأتي الأمطار، ولو متأخرة، فـ"الربيع الرطب يعوّض نقص المياه في الشتاء"، وفق قول المزارع أبو أحمد لـ"البيان".
ومن بوّابة كونه ورث مهنة الزراعة أبّاً عن جدّ، يشير أبو زياد إلى أن أجداده كانوا متصالحين مع الطبيعة، ومع جهدهم الذي يبذلونه مع أمّهم الأرض لتعطيهم كفاف يومهم، وكانوا يعتقدون أن للسماء خطّة مُحكمة تتّبعها، ما داموا قد أدّوا واجبهم تجاه الأرض، وأنها لا تخيّب آمالهم، تماماً كالميزان.
فـإن ساء أول الشتاء صلح آخره، والعكس صحيح.. ينظر الى السماء كمن يلملم أفكاره، ويتابع: في يناير وفبراير، كان الأجداد يتحدثون عن أربعة نجوم، أسموا كلاً منها بـ"سعد"، لتأثيرها على حياتهم ومعيشتهم: أوّلها "الذابح، فـالبالع ثم السعود وآخرها الخبايا".
فبعدما ترتوي الأرض وتغرق بالمطر، تبلع ما عليها في السهول، وتمتصّ خير الثلوج المتراكمة في الجبال. ثم ينتظرون أن تظهر نجمة شديدة النور كانوا يطلقون عليها اسم "سعد السعود"، يتيمّنون بها، ويتوقّعون مع ظهورها الخير والبركة.
"السماء غاضبة، أغلقت أبوابها وحبست أمطارها.. ولم يأتِ سعد السعود!". بهذه العبارة يلخّص أبو زياد الخلل الذي أبطل مفعول معادلة أزليّة. وكغيره بات يبحث عن التفسيرات.
الظاهرة والتيار
ومردّ الظاهرة التي يشهدها لبنان هذا الشتاء، من الناحية العلمية، وبحسب المهندس في مصلحة الأرصاد الجوية محمود الدهيني، يعود لما يسمّى"Jet Stream"، وهو عبارة عن "تيار هوائي" موجود بشكل دائم، لكن ارتفاعه ومساره مختلفان هذه السنة.
ويتواجد هذا التيار الهوائي حالياً فوق لبنان، وينعكس باتجاهه عن الموجات الأوروبية الــ"شمالية- غربية" التي عادةً ما تقدُم الى لبنان، فيشكل جداراً فاصلاً بين الموجات عبر رفعها صعوداً بدل خفضها نزولا،ً فيسبّب احتباساً حرارياً، ما يمنع تساقط الأمطار.
وهناك من اختار طريقة خاصة جداً أقلّ ما يمكن القول فيها إنها "تراثيّة". ففي قرية حولا في قضاء مرجعيون جنوب لبنان، استذكر الأهالي "الشيش بلّة"، وهي طقْس ديني يؤدّيه الأهالي أثناء القحط والجفاف.. وهكذا، جال العشرات من أبناء القرية بالأحياء .
وعلى مدى ثلاثة أيام، توقف المشاركون في المسيرة أمام الكثير من البيوت لجمع التبرّعات من أجل تقديمها للفقراء، لعلّ رحمة الله تنزل عليهم فيهطل المطر، ولم يملّوا من ترداد عبارة "شيش بلّة ما منروح إلّا تنملّي"، قبل أن يطلبوا من ربّات المنازل التبرّع..
فإذا تجاوبت ربّة المنزل معهم، يردّدون بصوت عال: "حطّوا ليفة عاليفة.. صاحبة البيت نظيفة".. وإذا لم تتجاوب معهم، يردّدون بصوت أعلى: "حطّوا قمحة عا شعيرة.. صاحبة البيت فقيرة".. علماً أن أهالي هذه البلدة تمكّنوا من جمع نحو 520 ألف ليرة لبنانية قدّموها لبعض الفقراء.
الأمن الغذائي
الوضع ينبئ بكارثة على صعيد الأمن الغذائي في لبنان في حال استمرار الأوضاع، لجأ الأهالي إلى تأدية صلاة الاستسقاء والدعاء إلى الله طلباً للمطر، بعدما كثرت نداءات رجال دين إلى إقامة الصلاة والتضرّع أن يمنّ الله عليهم بخيرات السماء التي تحيي الأرض التي أصابها الجفاف.
والاستسقاء كلمة مشتقة من السقي، وصلاتها من الاعتيادية المذكورة في أقاويل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولطالما اعتمدها المسلمون على مرّ العصور في الجوامع، كما في الكنائس لكونها من التقاليد المسيحية القديمة التي يدعو إليها الكاهن في عظته.

