أطلق شاب تونسي حملة وطنية للانتحار، احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية وعلى فشل حكومات الثورة في تحقيق طموحات الشباب المعطّل عن العمل، واختار مكرم حمزة "32 عاماً" وهو حامل لشهادة «تقني» في صيانة النظم الإعلامية، أن يبادر بتدشين الحملة التي أطلقها بنفسه، عندما أقدم على الانتحار شنقاً بمسقط رأسه في منطقة العامرة من محافظة صفاقس التي تبعد 270 كلم جنوب شرق العاصمة، تاركاً وراءه نداء لشباب وطنه الذي يعيش البطالة والفقر والحرمان، أن يبادر بالانضمام الى قائمة المنتحرين، وقد أطلق على حملته شعار "يازوالي انتحر خلي أسيادك تعيش"، أي "أيها الفقير انتحر ودع أسيادك يعيشون" وتسجل تونس شهرياً أربع حالات انتحار أغلبها بسبب ما يفسره علماء النفس والاجتماع أنها خيبة الأمل في شعارات الثورة التي عرفتها البلاد منذ ثلاثة أعوام.
واعتبر حمزة نفسه البوعزيزي الثاني في إشارة الى الشاب محمد البوعزيزي الذي أقدم على الانتحار في 17 ديسمبر 2011 بمدينة سيدي بوزيد احتجاجاً على وضعه الاجتماعي، ما تسبب في انطلاق الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وقد اتهم حزب النهضة بنشر الأكاذيب بعد عجز حكومة ما بعد الثورة عن تشغيله وتواصل معاناته مع البطالة ووقوفه حسب قوله على حقائق مرة تكرس الظلم والتجاهل للفقراء.
وقال أفراد من أسرة حمزة إنه وبعد يأسه من العثور على عمل وإرساله عشرات الطلبات الى كل الوزارات وطرقه لأبواب كل الجهات المسؤولة، قرر تنفيذ عملية الانتحار، وقد أورد الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قراره في رسالة ندّد فيها بما سمّاه تواصل سياسة المحاباة لدى حكومات ما بعد الثورة وفشلها في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتجاهل السلطة الجهوية لظروفه العائلية القاسية.
خيبة أمل
وينحدر مكرم حمزة بن الناصر من أسرة فقيرة تعيش في منطقة ريفية جنوب مركز معتمدية العامرة في صفاقس، وقد توفي والده منذ مدة وتعمل والدته في تنظيف بعض العمارات بالمدينة لتنفق على أبنائها. وعندما تحصل سنة 2007 من المعهد العالي للميلتميديا على شهادة «تقني سامي» في صيانة النظم الإعلامية، وجد أبواب الانتداب في الوظيفة العمومية ولدى الخواص مغلقة في وجهه، وبعد الثورة انخرط في العمل السياسي، وكان يعتقد أن حكومة الترويكا ستعطي الأولوية لتشغيل الفقراء، كما انخرط في حزب حركة النهضة الإسلامي الذي كان يقود التحالف الحاكم قبل أن يشعر بخيبة أمل في وعود الحكومة والحركة معا، وقال في رسالته التي دونها قبل ساعتين من انتحاره "لقد تواصلت سياسة المحاباة لدى أصحاب القرار السياسي وتبخرت وعود الحكومة بتوفير العمل والكرامة للعاطلين".
وحسب رواية شقيقه العائد من طرابلس حيث كان يعمل نادلاً في مقهى، والتحق به مكرم هناك للعمل معه لكنه فشل في العثور على أي فرصة، ثم عاد إلى صفاقس وحاول الاتصال بوالي المدينة لعرض مشكلته، إلا أن الأبواب كانت موصدة أمامه، وقال إن موظفي الولاية منعوه من مقابلة الوالي، فبعث برسائل مضمونة الوصول إلى رئاسة الجمهورية ووزارة التشغيل وبقية الوزارات وشارك في العديد من المعاينات لكنه لم يتلق أي رد.
اليوم الأخير
ويروي أفراد أسرة مكرم حمزة أنه كان خلال الأسابيع الماضية يتحدث عن الانتحار وعن ضرورة أن يطلق حملة وطنية ليدفع الشباب التونسي الى الإقدام على الموت في مواجهة حالة الفقر والبطالة والحرمان والعجز، وقبل أسبوع سحب كل رصيده المالي وهو 300 دينار تونسي "أقل من 200 دولار أميركي" من مركز البريد، وسأل عمن قد يكون له دين عليه، ثم ودع أصدقاءه وأفراد عائلته، وسلم المبلغ لشقيقته يوم انتحاره، وقال لها "نحن ناس ولدنا ليعيش الآخرون من عرقنا" وترك هاتفه الجوال بمنزلها وغادر مدينة صفاقس. وكان قراره بوضع حد لحياته فتوجه إلى مسقط رأسه بريف منطقة العامرة وجلس قرب قبر والده وانتحر شنقا بحبل علقه في شجرة زيتون.


