شهدت أسعار السجائر في الأراضي الفلسطينية ارتفاعاً متواصلاً خلال العام الماضي، حتى استقرت على زيادة بمعدل 6-8 شيكلات للعلبة الواحدة، تبعاً لارتفاعها بالأسواق الإسرائيلية التي تفرض على المراكز المحلية تبعية مطلقة في معظم السلع والبضائع. فأصيب المدخنون بانتكاسة كبيرة أمام الارتفاعات التي تناطح السحاب حيث تتجاوز أسعار السجار المستوردة 20 شيكلاً للعلبة الواحة.

وانشغل المدخنون بالبحث عن بدائل أقل كلفة، أولها الدخان الشعبي «كريه الرائحة» وانتشرت أيضاً بعض الأنواع المهربة الأخرى وهي مجهولة المصدر وغير مصادق عليها صحياً من أي جهة رسمية وطنية أو أجنبية، ولا ينفك المدخنون عن الحديث في المشكلة والسؤال عن الحل.

خصوصاً وأن الارتفاع يهدد لقمة عيش عائلاتهم، ويطال نصيبهم من المصروف اليومي الذي يقتطعه رب البيت لتلبية فروق الارتفاع، وحمل الجميع المسؤولية للجهات الحكومية التي لا تستجيب لنداءتهم، لأنها لا تملك من أدوات السيطرة على الأسعار المرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي شيئاً.

وتبلغ نسبة المدخنين في البلاد 43.2 %، بالنسبة للذكور، و3.1 %، من المدخنات الإناث بحسب مركز المعلومات الطبية التابع لوزارة الصحة. ونظراً لنسبة المدخنين المرتفعة التي تقترب من النصف، يعتبر ارتفاع أسعار السجائر شغل المواطنين الشاغل وحديثهم اليومي ومشكلتهم الحياتية المستعصية، نظراً لصعوبة الإقلاع عن التدخين من جهة، وواقعهم الاقتصادي المترهل، ودخلهم المتدني الذي يقتطع ثمن السجائر المرتفع نصفه تقريباً لمن يدخن أكثر من علبة واحدة في اليوم.

يقول المواطن أحمد خليل الذي يعمل في محل لبيع الملابس في رام الله: «احنا أكثر الشعوب العربية فقراً، ومع هيك بنشوف أنو أسعار الدخان في كل الأسواق العربية أقل من عنا بنسبة النص تقريباً، ليش احنا مكتوب علينا الغلا في كل اشي حتى في الدخان! وليش لازم نتبع إسرائيل حتى في السجائر! ليش الدخان الوطني سعرو مرتفع والضريبة عليه مرتفعة زيو زي الأجنبي! رخصولنا الدخان الوطني وبدناش اندخن اشي الو علاقة بإسرائيل وأسعارها».

طيران الراتب!

وتابع جاره في المطعم المجاور «أنا راتبي 2000 شيكل من المطعم وصديقي هون راتبو 1700 لانو جديد في الشغل، وكل واحد فينا بدو علبة سجاير في اليوم، وأقل علبة سعرها 20 شيكل، يعني في الشهر بدنا 700 شيكل دخان، و1000 مواصلات وهيك الراتب بكون طار».

ووجد مصطفى عبدالرحمن الموظف الحكومي الحل في الدخان الشعبي «اللف»، وقال: «أنا بقدرش أدفع 700 و1000 شيكل على شان أدخن، من وين بدي أعيش بعدين! راتبي كلو 2500 شيكل وما بكفيني لآخر الشهر، هيني بسلك حالي في الشعبي بدخن بـ 200 300 شيكل في الشهر، مع انو سيء ونكهته لا تطاق وبتعب الصدر وريحته مزعجة بس فش حل غير هيك».

وكحل آخر وجد نزار العامل في ورشة للباطون في مدينة بيت لحم ضالته في نوع من السجائر المهربة غير متداولة الاسم، سعره بـ15 شيكل، قائلاً: «صحيح انو مش معروف من وين، ومش عليه إشارة ترخيص أو فحص، بس بيضل أرخص من الدخان الوطني ومن الأجنبي، وأفضل من الشعبي وأطيب منه وفش اله ريحة كريهة، يعني بالشهر بدخن بـ 400 شيكل مقبول مش زي لما أصرف 800 ولا 1000 شيكل على الدخان كل شهر».

تقليل وإقلاع

من جهة أخرى، نجحت فئة قليلة في الإقلاع عن التدخين، بينما استطاعت مجموعة كبيرة من الشباب تقليل عدد السجائر التي يدخنونها يومياً إلى النصف، ويشار إلى أن خسارة السلطة الوطنية وصلت إلى نسبة مرتفعة نتيجة لتوجه المدخنين نحو السجائر الشعبية والمهربة بعيداً عن الوطنية والأجنبية المرخصة مرتفعة الأسعار من جهة، وإقلاع الآخرين عن التدخين نهائياً أو التقليل من معدل استهلاكهم.

المواطنون من غير المدخنين يسوؤهم ما يشاهدونه من فوضى في قطاع التبغ والسجائر، ويتخوفون من الأضرار الصحية المستقبلية للسجائر الشعبية والمهربة والمجهولة المصدر على أبناء شعبهم، فضلاً عن رائحة التبغ الشعبي الكريهة التي تفوح في الشوارع والمراكز والأسوق والمحال التجارية والمؤسسات الحكومية والحارات والأزقة والمنازل وحتى الملابس والأفواه.