يتحدث وزير الإسكان والعمران والمدن الجزائري، عبد المجيد تبون، في الحوار الذي خص به «البيان»، عن الجهد الذي تبذله حكومة بلاده للقضاء على مشكلة العجز الهيكلي في المساكن، ويكشف أن الدولة شرعت في إعادة بناء القدرات المحلية للإنجاز بالاعتماد على مشاريع شراكة عربية وأخرى أجنبية، مع التركيز على الاستفادة من جميع الخبرات التي تتوفر دولياً.

وأكد انه تم رصد موازنة إجمالية للقطاع خلال المخطط الخماسي الذي ينتهي العام الجاري تقدر بنحو 60 مليار دولار، مع الالتزام بإضافة مبلغ آخر لتغطية متطلبات القضاء النهائي على العجز في مجال السكن.

وأشار إلى التعديلات الجوهرية التي أجريت على النصوص المنظمة لقطاع الإسكان من أجل تخفيف الإجراءات المتعلقة بالاستثمار في المجال، مضيفاً أن الجزائر تنتظر المزيد من استثمارات الشركات المختلفة في الإمارات بالقطاعين الحكومي والخاص.

تسعى الحكومة للقضاء على أزمة الإسكان ببرامج خماسية بالقطاعين العام والخاص، ماهي الإستراتيجية المعتمدة، والموازنة المرصودة لذلك؟

يجب أولا وضع المشكلة في سياقها الحقيقي، فلسنا وحدنا من يعاني مسألة الاسكان، ففي فرنسا يصل العجز إلى 10 ملايين وحدة سكنية،

وليس ذلك مبررا، فقد قررنا توفير مسكن لكل مواطن يستحق، والتكفل بالحاجيات الاجتماعية للساكن. ولكن ما زاد الطين بلة هو الأزمة الاقتصادية عام ١٩٨٦ التي عصفت بالبلاد ورهنت قدراتها في مجال الإنجاز وتمويل الطلب الاجتماعي وخاصة السكن، وواجهنا اشتراطات المؤسسات المالية الدولية، المطالبة بوقف تمويل القطاعات الاجتماعية ومنها برامج الإسكان الذي تموله الخزينة العامة.

وخلال التسعينات انقلب هرم ديمغرافية السكن في البلاد، فبعد أن كان ٦٥٪ من المواطنين يتمركزون بالقرى والأرياف، انقلب الهرم وأصبح ٦٥٪ منهم يعيشون بالمدن مقابل ٣٥ ٪ فقط حاليا في الأرياف، ما أصبح يشكل ضغطاً رهيباً على الموازنة العامة للدولة، جراء المشاكل المرتبطة بإدارة المدن وتسييرها.

وأصبح الطلب في المدن يفوق قدرات الدولة، وأصبحت الحكومة أمام خيارين أحلاهما مر، إما القبول بالعشوائيات وسكنات الصفيح، أو تحمل المسؤولية وبناء سكنات لائقة. وبالنسبة للأرقام المتعلقة بالعجز الحقيقي، واذا عدنا إلى الإحصاء العام للسكن والسكان عام ١٩٦٣، نجد أن عدد المساكن كان يبلغ 1.78 مليون وحدة، وبعد ٥٠ عاما وصل حوالي ٨ ملايين مسكن.

بعد توليك الوزارة هل أجريت أية دراسات للقطاع؟

نعم وضعنا دراسة مستفيضة للقطاع، وقمنا بتصنيف الاحتياجات الحقيقية على مستوى ١٥٤١ بلدية، من السكن الاجتماعي الموجه للفئات الفقيرة والسكن الإيجاري المنتهي بالتمليك الموجه للطبقة المتوسطة وأصحاب الدخول المتوسطة، والسكن الراقي لأصحاب الدخول المرتفعة التي تعادل ١٢ مرة للحد الأدنى للأجور، ما سمح بتحديد الطلب الحقيقي مقابل العجز وعدد المحتاجين الفعليّين للسكن في البلاد.

ووجدنا أن العجز الحقيقي لا يتعدى 729 ألف وحدة سكنية بعد إنجاز ٧٠ ٪ من المخطط الخماسي الثاني الممتد من ٢٠١٠ إلى ٢٠١٤ بالإضافة إلى البرنامج التكميلي لمناطق الجنوب الكبير التي تحكمها بعض التقاليد الخاصة، ومنها رفض السكن في عمارات، ما دفع الحكومة إلى إعطاء قطع أراض ٍمجهزة وإعانات مالية لبناء مساكن تتناسب وطبيعة ومناخ المنطقة الحار والجاف جدا، ووزعت ١٠٠ ألف قطعة أرض مجهزة صالحة للبناء وإعانات مالية بنحو ١٠ آلاف دولار في المتوسط.

وهل خففتم الضغط على العاصمة والمدن الكبرى؟

تفرغنا بالفعل لحل المشاكل المتعلقة بالضغط في الوسط الحضري والمدن الكبرى عموما بقدرات محلية في بداية الأمر، وهي قدرات إنجاز لا تتعدى ٨٠ ألف وحدة سنويا، بينما نحن ملتزمون بإنجاز ٢٥٠ ألف وحدة لامتصاص العجز في اقصر مدة ممكنة.

وهو سبب فتح الباب للاستفادة من قدرات الإنجاز عربيا وأجنبيا، ودخلنا في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة لإنشاء قائمة قصيرة للشركات العربية والأجنبية التي تتمتع بسمعة دولية والقادرة على العمل معنا لبناء تلك المشاريع، وحددنا قائمة تضم٦٠ شركة عالمية من الهند والصين ومصر وتركيا وبلدان الاتحاد الأوروبي وروسيا وأوكرانيا، لمساعدتنا في تدارك العجز.

وهي المرة الأولى منذ الاستقلال التي نتمكن فيها من بناء ٢٤٧ ألفاً و٢٦٦ وحدة سكنية خلال العام الماضي، والموازنة الإجمالية التي رصدت للقطاع خلال المخطط الخماسي الذي ينتهي العام الجاري تقدر بنحو 60 مليار دولار، مع الالتزام بإضافة مبلغ آخر لتغطية متطلبات القضاء النهائي على العجز في مجال السكن.

القدرة على الإنجاز

يتردد أن مشاكل السكن محلياً غير مرتبطة بالقدرات المالية، بل بالعجز في الإنجاز، ما هي قدراتكم الفعلية للإنجاز، وما هي الآليات المعتمدة للاستفادة من القدرات العربية والأجنبية؟

نرفض تغطية الشمس بالغربال، ونفضل مواجهة المشاكل الحقيقية وليس القفز فوقها، والآن لا تتوفر لدينا قدرات إنجاز تليق بدولة في مقام الجزائر، فالأزمة الاقتصادية التي واجهنا عام ١٩٨٦ حطمت قدرات الإنجاز لدينا.

وكذلك الأزمة الأمنية التي عاشتها البلاد، ونحن اليوم في مرحلة إعادة بناء قدرات الإنجاز الوطنية، وبناء مؤسسات قادرة على بناء آلاف الوحدات سنويا، وقادرة مستقبلا على تصدير خبراتها والتوسع في الأسواق الخارجية. وقبل ذلك نقول ان عدد السكان سيبلغ ٦٠ مليون نسمة عام 2040 ما يتطلب قدرات محلية للإنجاز وبمعايير العصر.

توجه انتقادات عدة لشركات المقاولات المحلية التي تعتبر متخلفة عن المستوى الذي بلغته نظيراتها عربياً، أين يكمن الخلل برأيكم؟

لدينا حالياً نحو ٥٧٠٠ شركة وطنية تعمل في مجال البناء، ٨٥٪ منها غير قادرة على إنجاز أكثر من ٥٠ وحدة سكنية سنويا، أي أنها مقاولات صغيرة جدا لا يتعدى تأهيلها الدرجة ٣ على سلم يتراوح بين ١ و ٩ درجات.

وتصنف ٨٥ ٪ من مقاولات البناء بين ١و ٣، والمصنفة بين ٧ و٩ لا يفوق ١٥، وفي الدرجة ٩ لا يتعدى سبعاً من الشركات الضخمة القادرة على إنجاز أكثر من 1500 وحدة سكنية في العام. ومع ذلك أقول إن الشركات تطورت جدا وأصبحت في نفس المستوى التقني مع نظيراتها الغربية والعربية.

الأرقام الرسمية تشير لحاجة البلاد لإنجاز حوالي ٣٠٠ ألف وحدة سكنية سنوياً لتدارك العجز؟، وما حجم العجز الحقيقي؟ وكم تبلغ معدلات شغل المساكن مقارنة بالمعدل العالمي؟

بالنسبة للعجز، يجب الإشارة إلى أنه عندما تقرر إنجاز 2.5 مليون وحدة سكنية عام ٢٠٠٥ فذلك يعني أن إنجاز ٢٥٠ ألف وحدة في العام من مختلف الصيغ حتى يتم القضاء على العجز نهائيا، وهو ما تم تحقيقه العام الماضي، حيث تمت مضاعفة جهد الإنجاز لتدارك العجز ومواكبة وتيرة الطلب الجديد، أي ما يتطلب بناء ربع مليون وحدة جديدة سنويا خلال ٥ أعوام على الأقل ليتم الانتهاء نهائيا من مشكلة الإسكان.

وبالنسبة لمعدل شغل المساكن حاليا في البلاد، بلغ نهاية العام الماضي بين 4.2 و٥ ساكنين في كل شقة، والمتوسط العام خمسة أفراد في الشقة الواحدة. والعجز الحقيقي وبعد تصفية وإعادة التدقيق في الطلبات المزدوجة والتي قدمت عدة مرات من نفس الأشخاص، ومع منع الاستفادة المزدوجة لتحقيق العدالة.

ووفق البطاقة الوطنية للسكن التي تضم حاليا 4.6 ملايين مستفيد لا يمكنهم الاستفادة مرة أخرى، فالعجز لا يتعدى ٧٢٠ ألف وحدة يمكن إنجازها في الخماسي المقبل "٢٠١٤ إلى ٢٠١٩ " لننتهي نهائيا من مشكلة الإسكان سنتحول للطلبات العادية التي تتناسب مع النمو الديموغرافي. وقد عقدنا العزم الا تكون هناك مدن صفيح وعشوائيات في الفترة المقبلة.

صفقات عمومية

أسعار الإنجاز مشكلة تواجه شركات المقاولات المحلية والأجنبية. هل حلت ؟ وهل تستطيع الشركات الأجنبية تحويل أرباحها إلى بلدانها الأصلية بحرية؟

نتفاوض حاليا مع شركات الإنجاز وفق قانون الصفقات العمومية، وعند إبرام أي تعاقد مع شركة أجنبية يتم تحديد الجزء القابل للتحويل إلى الخارج من أرباح، ويحول دون مشاكل عبر البنك المركزي، مع إمكانية السماح لها باستيراد مواد البناء لسد العجز المسجل سواء تعلق الأمر بالإسمنت أو حديد الخرسانة.

وهناك شركات غربية تريد ممارسة ضغوط علينا لرفع الأسعار، رغم يقينها أن أسعارنا مناسبة جدا مقارنة مع تكاليف المواد الأولية والطاقة والوقود المنخفضة جدا، وكذلك الأيدي العاملة والضرائب أقل.

ماذا عن مشكلة العمالة الماهرة والمتخصصة؟ وهل متاح جلبها من الخارج والزامها بتدريب المحلية وتمكينها من التقنيات الحديثة؟

نسمح بجلب عمالة أجنبية في حدود معينة ووفق شروط متعلقة أساسا بدرجة التأهيل، لأننا نعاني مشكلة البطالة، وهدفنا مساهمة الشركات الأجنبية في تدريب شبابنا ونقل الخبرات الحديثة لديهم، وهناك مرونة في جلب الكوادر العالية.

شح المواد

تتوقف أحياناً مشاريع اسكانية أو بمجال الإنشاءات بسبب شح المواد الأولية وانقطاع دورة التموين، ماذا عن احتياجات البلاد من مواد البناء وخاصة حديد الخرسانة والإسمنت والحصى؟ وهل الإنتاج المحلي يغطي الطلب أم سيتواصل الاستيراد؟

السوق مفتوحة للاستثمار المحلي والأجنبي، وهناك اهتمام خارجي بإنتاج مواد البناء من أسمنت وحديد خرسانة، ووافقنا على انشاء ثمانية مصانع إسمنت لمستثمرين محليين ودوليين، وقبلها في ديسمبر الماضي تم الاتفاق مع قطر لإقامة مصنع للحديد بطاقة إجمالية تقارب خمسة ملايين طن سنويا، والإنتاج المحلي من الإسمنت بلغ العام الماضي ١٨ مليون طن، مع استيراد ثلاثة ملايين طن لتغطية العجز. ونهدف في الوقت نفسه لرفع الإنتاج المحلي إلى ٢٥ مليون طن سنويا لتغطية الطلب محليا والتصدير خارجيا على المدى المتوسط.

وبالنسبة للحديد، فنستورد تقريبا كامل احتياجاتنا بسبب ضعف الإنتاج المحلي الذي لا يتجاوز 1.6 مليون طن منه مليون من مصنع تركي بولاية وهران غرب البلاد وحوالي ٦٠٠ ألف طن لمركب الحجار الذي استعادت الحكومة حصة مسيطرة فيه قبل نهاية العام الماضي من شركة ارسلور ميتال العالمية، التي كانت تسيطر على ما يعادل ٧٠٪. بالنسبة للمواد الأخرى هناك اكتفاء كامل وأيضاً تصدير.

ما هي رسالتكم للمستثمر بالإمارات عموماً وشركات الإنشاءات تحديداً؟

شعب الإمارات يعلم جيداً مدى الاحترام والحب الذي يكنه شعبنا لهم. فقد كانت الإمارات بجانبنا أيام المحن وعليه أوجه لهم الدعوة ليكونوا بجانب الجزائر واطالبهم بالمزيد في مجال الاستثمار. وسنوفر الحماية الكاملة من الدولة لاستثماراتهم.

وتمكنا في وزارة الإسكان العام الماضي من تغيير وتعديل أزيد من 60 نصاً قانونياً وتشريعياً لمطابقة التشريعات والقوانين مع ما هو معمول به عالميا ولتسهيل إجراءات العمل مع القطاعين الحكومي والخاص والمستثمرين الأجانب، ما ساهم في إنجاز ٢٤٧ ألف وحدة سكنية في عام واحد وهو رقم قياسي منذ الاستقلال.

 

«إعمار» الإمارات

 

يتوفر لإعمار الإمارات خبرات عالمية عالية، ولم تلج السوق الجزائرية بسبب العراقيل والبيروقراطية رغم الحاجة لنصف مليون وحدة سكنية فاخرة ويؤكدالوزير تبون:التزمنا وبعزم قوي القضاء على البيروقراطية ومحاربة الروتين، وبالنسبة لمجموعة إعمار هناك ترحيب كبير جداً بها، وعلى استعداد لتسهيل الإجراءات الاستثمارية لها ولشركات الإمارات الأخرى الراغبة بالعمل في الجزائر.

وشخصياً أشرفت عام ٢٠٠١ على إنشاء شركة مختلطة مع شركاء من الإمارات لإعادة هيكلة العاصمة وبناء واجهة حديثة لها خاصة والشركة تملك خبرة جيدة من خلال مساهمتها في إعادة إعمار بيروت بعد الحرب الأهلية،والكرة اليوم في ملعب مستثمري الإمارات بالقطاعات المختلفة، وبما يحقق المنفعة المتبادلة للطرفين.