«تدخين النساء ظاهرة لا تقبل مُبرراً خلقياً أو صحياً في أوساط المجتمعات الشرقية والإسلامية، بل يعتبرها البعض سلوكاً مشبوهاً يخرج عن المألوف، ويضرب بالتقاليد والأعراف عرض الحائط، وخدشاً للأنوثة، وطريق لفقدان بريقها وصوتها الناعم ورقتها المتناهية.

بعض من يدخن يرين أنها حرية شخصية، وما يحق للرجل يحق للمرأة، وهي محاولة للتنفيس عن ضغوط مكبوتة، وترويحاً عن النفس. ولا يحق للرجل أو المجتمع أن يُجرّم المرأة المدخنة، ويحكم على سلوكياتها بسبب سيجارة أو شيشة.

بين نظرة المجتمع وموقف الرجال وآراء علماء الاجتماع والنفس في القضية من ناحية، ودفاع النساء عن عادة يمارسنها من ناحية أخرى.. يظل الجدل قائماً دون حسم الأمر، وكل طرف يتمترس عند موقفه ورأيه.

تقول "ر.ح" 33 عاماً: "اعتدت التدخين منذ سنوات عديدة، لكنني لا أرى أنه جرم أو ذنب يستحق أن تتخفى السيدة منه أثناء ممارسته، فهو حق مكفول للجميع، وحرية شخصية في المقام الأول بالنسبة للرجل والمرأة معاً.

إلا أن هناك أفكاراً رجعية لاتزال تنظر للمرأة المدخنة نظرة سيئة، بل ويعتبرها البعض سيئة السمعة، نتيجة لسيطرة الفكر الذكوري، وهناك نساء يخفين أمر تدخينهن عن أقرب الناس إليهن ومنهم أزواجهن. ويكفي ان زوجي يعلم بأمر تدخيني ولا أرى في المسألة شيئاً يستحق الإخفاء.

إدمان التدخين

وتقول م.هـ "18 عاماً": اعتدت التدخين عندما قمت بتقليد إحدى صديقاتي في المدرسة كوسيلة للتسلية، وتحول معي الموضوع إلى إدمان، وخشيت أن أواجه أسرتي، فأصبحت أدخر من مصروفي لأشترى علبة السجائر يومياً، وأصبح حمام المدرسة المكان المناسب لتدخيني بعيداً عن الأعين، إلا أنني أشعر بالندم الشديد بعد كل سيجارة.

وكثيراً ما عزمت الإقلاع عنها إلا أنها أصابتي بصداع مزمن وحولتني لشخصية عصبية دائمة التوتر ان لم أحصل على النسبة المحددة من النيكوتين وذلك ما أفسد تنفيذ قرار الاقلاع.

ويشير أشرف حسام "29 عاماً" إلى أنه يرفض الارتباط بفتاة مدخنة، لأنه رجل شرقي ويهتم بسلوكيات خطيبته أو زوجة المستقبل، فمقف المدخنة يمس كرامته كرجل، والتدخين ليس سلوكاً حضارياً من المرأة، بل حرية في غير مكانها وعادة ليس لها مبرر خلقي أو صحي أو اجتماعي للتمسك بها، فما فائدتها سوى أنها تقليد أعمى للرجل.

جمال المرأة

وتؤكد أستاذ علم الاجتماع دكتورة عزة كريم أن التدخين في حد ذاته كارثة حقيقية، تُهدد الأسرة والمجتمع، وبات ظاهرة مقلقة لكل المجتمعات، إلا أن انتشارها بين النساء بهذا الشكل المخيف زاد من كارثيتها، وضاعف من خطرها لما تحمله من آثار سلبية خاصة للنساء.

فالتدخين يسلبهن الجمال والشباب ويُعرضهن لشيخوخة مُبكرة، وإدمانه يسبب اصفراراً في الأسنان، ويلون الشفاه باللون الأزرق، ما يفقد أي امرأة جمالها الفطري وأنوثتها، لأنه عدو لجمالها.

وهناك مخاطر صحية تزداد نسبتها لدى المدخنة، ومنها تعرضها للإصابة بسرطانات الرئة والبلعوم والثدي وعنق الرحم، وما تحمله من مخاطر للمرأة الحامل تؤثر على الجنين، الأمر الذي يتطلب التصدي الحازم للظاهرة فهي دخيلة على مجتمعاتنا.

ويرى استشاري الطب النفسي دكتور صلاح الدين صبحي أن التدخين في الأساس، عادة تقود الشخص للأدمان، ويصعب معها الإقلاع عنه.

وهناك سيدات وفتيات يجدن في الشيشة والسجائر تنفيسا عن رغباتهن المكبوتة، ويعتقدن أن التدخين وسيلة جيدة للترويح عن النفس، وخفض حدة التوتر والضغط العصبي، وهو إحساس زائف، لا يتعدى أثره مجرد لحظات نتيجة لإدمان مادة النيكوتين، فيصبح من الصعب التخلص منه، بل يزيد الشعور بالتوتر والقلق عند الحصول على النسبة المعتادة من المادة.

والمجتمع الشرقي لا يزال رافضاً تقبل فكرة المرأة المدخنة، ويعتبر الأمر سلوكاً أخلاقياً مشيناً، وينظر إليها نظرة سيئة، ما يدفع الكثيرات إلى التدخين سراً دون علم أزواجهن أو أهاليهن. والاستمرار يجعل قرار الاقلاع صعباً نتيجة للإدمان.

وتوضح استشاري الطب النفسي دكتورة نادية نظير أن الظاهرة دخيلة على ثقافتنا العربية والشرقية، وتعود لأسباب عدة أولها، توافد جنسيات غربية مختلفة على المجتمعات العربية، ما أكسب مجتمعاتنا عادة سيئة دفعت كثير من النساء إلى تقليد الغربيات في التدخين؛ للتحرر من القيود وهناك مجموعة تعتقد أن التدخين يضفي شكلاً اجتماعياً راقياً عليهن.

والعكس تماماً فهو يحط من قدر السيدة ويضر جمالها ورونقها وصحتها، وبعض النساء يلجأن إليه، باعتباره وسيلة يحققن من خلالها المساواة بالرجل، وبعضهن يتخذن السيجارة أو الشيشة نوعاً من التحدي للرجل الشرقي، وثورة على القيود الفكرية وعادات المجتمع.