تعيش تونس في الذكرى الثالثة للإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، بجانب الأزمة السياسية، ظروفاً اقتصادية واجتماعية خانقة، أفرزت اتساعاً في دائرة الجريمة والمخدرات والدعارة والتسول والفقر والبطالة وغلاء الأسعار. ويعاني 40 ٪ من الناس حالات اكتئاب نفسية حادة سببها تراجع القدرة الشرائية وضغط الحاجة والصدامات والتشنج. وتقول رئيسة الجمعية التونسية للطب النفسي ريم غشام، إن مستشفى الأمراض النفسية والعصبية استقبل 148 ألف حالة العام الماضي، بينما لم تتجاوز 80 ألفاً في عام 2009، علما أن 50 بالمئة منها كانت من نصيب النساء.
ويعود السبب الرئيسي للوضع النفسي للمواطن لفشل سياسات الحكام الجدد وخاصة حكومة الترويكا التي عجزت عن تحقيق مطامح وأحلام الناس. وللصراعات الدينكوشوتية كما سمّاها المحلل السياسي محمد رضا السويسي، وأكد زعيم حزب العمال حمّة الهمامي أن ثلاثة أعوام من الثورة شهدت الكثير من خيبات الأمل، وضيّقت على المواطنين، وخاصة للغلاء الفاحش في الأسعار وتردي القدرة الشرائية، واستفحال البطالة والفقر والتضخم، والاستمرار في نموذج اقتصادي فاشل.
ويرى زعيم حزب المجد عبدالوهاب الهاني أن عامين من حكم الترويكا أطاحا بأحلام الكثيرين، ونشرا الخوف والشك في نفوسهم، وأن لا شيء يؤثر سلبا على الحالة النفسية للفرد والمجتمع كخيبة الأمل، فالمثال الذي قدمه تحالف الترويكا في الرئاسات الثلاث أصاب الجميع بإحباط حقيقي يحتاج الى جهد مضاعف لتجاوزه.
ظاهرة العنف
وأدى ذلك الوضع إلى انتشار العنف بنسق غير مسبوق حذّر منه مختصون في علم النفس والاجتماع ونبهوا الى خطر ارتفاع الظاهرة نتيجة ضبابية الرؤية وفقدان الثقة في المستقبل، ويرى الاختصاصي في علم النفس عماد الرقيق أن حالات الاكتئاب والضغط ارتفعت خلال العامين الماضيين تزامنا مع حالة من الترقب التي نتجت عنها صدمة بسبب الفشل في تحقيق الوعود وعدم تغير الأحوال المعيشية إضافة الى حالة التوتر ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ ان لم نقل مهولاً في حالات الاضطراب النفسي.
ونبّه الاختصاصي في علم النفس وحيد قوبعة الى انتشار ما سمّاه الخوف الجماعي وهو حالة من القلق تتمثل أعراضها في اضطرابات النوم التي يعاني منها ما يقارب 70 بالمئة من المواطنين ما يخلق جيلاً عدوانياً مريضاً وعنيفاً لا يحترم القوانين، ويرزح تحت وطأة الادمان والمخدرات. ولوحظ في السنوات الأخيرة وتحديدا منذ 2011 ارتفاع حالات الإدمان في المعاهد وحالات الانتحار في صفوف المراهقين ، وارتفاع نسبة الهجرة إلى الخارج نتيجة الخوف من المستقبل.
ويوضح الاختصاصي في علم الاجتماع طارق بلحاج أن الصورة النمطية للمواطن التي كانت قبل الثورة، تغيرت من كائن محب ومقبل على الحياة إلى صورة اخرى مغايرة تماما تميل للعنف والعدوانية، ما تسبب في وأد فرحته بالثورة وفي تراجع سقف التطلعات والأحلام التي راودته بعد الإطاحة بالنظام السابق.
اتساع دائرة الإدمان بين شباب المدارس والجامعات، آفة في تزايد بسبب الضياع الذي يعيشونه وارتباط ذلك بالفقر والتخلف والتهميش والأقصاء. وتعاطي المخدرات له انعكاساته الاخلاقية والعدوانية على السلوك العام على الشباب خاصة في مرحلة الاضطراب العاطفي، التي تؤثر على تماسك وتكامل الشخصية، ما يشعره بالاكتئاب والقلق النفسي فيلجأ إليها لتشكل بعدا سلوكيا ويكون قاعدة لمظاهر الفساد والانحراف والدخول الى عالم الجريمة وهذه المظاهر تنجم عادة عن تفكك الأسرة.
وفي إطار البحث عن طريقة لاستعادة الآمال الضائعة يتجه التونسيون الى مكاتب العرافين والمنجمين بعد تكاثر اعدادها حاليا، يقول نائب رئىس الاتحاد العالمي للفلكيين الروحانيين حسن الشارني ان حالة الانكسار الداخلي التي يعيشها المواطن بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تجعله يسعى لتجاوزها بالبحث عن الحل سواء لدى الداعية الديني أو العرّاف أو الطبيب النفسي، فالمهم هو الخروج من الواقع ببعض الأمل الذي يحتاج إليه لكي يستمر.
والضغوط تظهر لدى بعض الزائرين المتمثل في الخوف من المستقبل، والمشاكل الأسرية، وتراجع الرابطة العاطفية بين الأزواج، والضعف الجنسي، وغياب الثقة بين الزوجين، والتردد في اتخاذ القرارات المصيرية كالزواج والعمل، والرغبة في الهجرة والسفر الى الخارج، وحلم الثراء السريع بالبحث عن الكنوز الأثرية وبالمشاركة في المراهنات ذات المردود المالي على الفائزين. ووصلت نسبة العنوسة الى 60 بالمئة من التونسيات.


