يعيش الشباب الفلسطيني واقعاً صعباً في مواجهة تحديات جسام تبدد أحلامهم وتعترض خطط حياتهم وتهدد مستقبلهم وما يسعون لبنائه في مقتبل العمر، ويُعد الحصول على وظيفة حكومية أو خاصة مهمة يصفها البعض بالمستحيلة نظراً للواقع الاقتصادي الصعب والأزمة المالية والمديونية الكبيرة التي تثقل كاهل الدولة والشعب معاً، حتى أن الوظيفة المرتقبة أو فرصة العمر تؤرقان الشباب والشابات من اللحظة الأولى التي يطأون فيها حرم الجامعة، والتي عزف بعضهم عنها لأن الشهادة لم تعد تحمي صاحبها من خطر البطالة المتفشية في أرض الوطن، هذا الواقع دفع الشباب للتحليق في سماء الهجرة واختيار دروب السفر اختصاراً للوقت والجهد، وبحثاً عن عمل لائق وفرصة أفضل تُوفّر لهم عيشاً كريماً وتؤسس لهم بيتاً جميلاً وتصنع لهم المستقبل الذي يتمنونه.

وفي رام الله ومدن أخرى غيرها، ما أن ينفرد شخص بنفسه إلا وحدثته عن السفر، وما اجتمعت مجموعة إلا وتبادل أفرادها أطراف الحديث حول السفر بحثاً عن المستقبل سواء أولئك العاطلين عن العمل أو الذين لا توفر لهم وظائفهم ما يمكن أن يحصلوا عليه بنفس الجهد والوقت في البلاد العربية أو الغربية الأخرى التي تشهد حالة من التطور والنمو.

تقول الموظفة الحكومية وربة المنزل هبة أبو فخيدة إن رغبتها في السفر للخارج لم تتوقف يوماً:" رغبتي كأي صبية في البلاد أحلم باستقرار مادي ووظيفي يضمن مستقبلاً جيداً لي ولاولادي"، وحول تركها لبلدهها المحتل والسفر خارجاً "أنا مش مع الهجرة بشكل نهائي، انا مع السفر من أجل العمل لخدمة وطني أولاً بشكل مادي لأنني إذا سافرت رح أجمع من الفلوس ما يكفي مشروعي الخاص الذي أعمله في بلدي وبهيك بيكون سفري، لأرتقى ببلدي من خلال تطويرها بخبراتي التي اكتسبها من العمل بالخارج".

الحل الأسرع

ويوضح المختص في صيانة الكمبيوتر والشبكات مالك أيمن: تخرجت منذ أربع سنوات وعملت في ثلاث شركات حديثة النشأة، بشكل متقطع وبراتب متدن،ٍ والتي أغلقت كلها أبوابها بعد شهور قليلة على انطلاقها، نظراً لصعوبة العمل في السوق المحلية، وما أزال أحاول الحصول على وظيفة رابعة منذ سنة دون جدوى، " انا تشجعت حين عملت لأول مرة، وكان لدي بعض العمال لحسابي من تصميم مواقع وغيره وكان لي دخل معقول منها، لذلك تزوجت وعندي ولد واحد، ولكن لم تسر الأمور.

كما توقعت، تقدمت لوظائف كثيرة، وحصلت على فرصة عمل في السعودية بس للأسف لم أحصل على الفيزا، وبالنسبة الى السفر هو الحل الأسرع والأنجح لأتغلب على مشاكلي، وسوف أظل افتش عن وظيفة في الخارج حتى أجدها".

ويروي الطالب الجامعي حاتم أبو زيد أن حديث أصدقائي خاصة من اقتربوا من التخرج يدور غالباً حول الوضع الاقتصادي المتدهور، وانتشار البطالة، وصعوبة الحصول على عمل، وتدني الأجور، وارتفاع الأسعار، وارتفاع تكاليف الأراضي والشقق والبناء والزواج بالإضافة إلى المنغصات التي يفرضها الاحتلال بشكل يومي، وكل تلك العوامل هي التي تدفع الشباب للتوجه إلى الخارج للعمل، بالإضافة إلى أن موافقة بعض الدول على استقبال أيدٍ عاملة فلسطينية بعروض مغرية وما يتوفر بشكل دائم من فرص، وما حققه الذين سافروا إليها من نجاح زاد من رغبة الشباب الآخرين للسفر، وعمي غادر من أسبوعين للعمل في وظيفة بإحدى دول الخليج في مجال البرمجيات، بعد أن حصل على عقد عمل مغر ٍجداً.

الواقع الصعب

وفي الوقت الذي يبحث فيه البعض عن فرص للعمل وتوفير المال الكافي للعودة إلى أرض الوطن مجدداً للاستثمار والاستقرار والعيش الكريم بما يدره المشروع من دخل، يلجأ آخرون للهجرة هرباً من الواقع الصعب رافضين العودة مجدداً هرباً ما قد يكون في هذا البلد الذي يقع على خط المواجهة الأول مع الاحتلال الإسرائيلي ومطامعه في المنطقة العربية ونظراً لما يسود فيه من ضبابية وانسداد للأفق، فينقسم بذلك الشباب الفلسطيني بين مسافر ومهاجر.

وفي السياق ذاته أشارت رزان شقور الخريجة من جامعة بير زيت إلى صديقتها التي ستسافر بعد شهر إلى أميركا بعد أن حصلت على عمل هناك، ولم تخف نيتها عدم العودة مطلقاً إلا في زيارات قصيرة، ورزان تصر على إيجاد وظيفة في الوطن، رافضة فكرة السفر أو الهجرة، مشددة على ضرورة الصمود ومواجهة الظروف والتغلب عليها، وإلا سنتيح للاحتلال فرصة تحقيق ما يصبو إليه، فيضيع ما تبقى من الوطن، واختتمت حديثها:" بلدنا أولاً فينا واسم وطنك ما بيعلى إلا بصمودك".

إحصاءات مهمة

 

وفقاً لتقرير جهاز الإحصاء الفلسطيني فإن ثلث الشباب يفكر بالهجرة 45 % ذكور و18 % إناث ، ويرى80 % من الذكور و73 % من الإناث أن سبب الهجرة يعود لعدم توفر الأمن والأمان، ويؤكد 62 % من الذكور، و33 % من الإناث، أن أسبابها سياسية فيما يراها اجتماعية 48 % من الشباب و45 % من الفتيات.

والدافع السياسي يُشجّع على السفر والعمل بالخارج لجذب الاستثمارات وتنشيط سوق رأس المال ودعم عجلة الاقتصاد الوطني والحد من مشكلة البطالة، إلا أنه يحارب الهجرة لما في ذلك من خطورة وتأثير سلبي على المشروع الوطني والقضية الفلسطينية.