لم يكن مفاجئاً الحديث عن وجود 220 قضية إثبات نسب أمام المحاكم التونسية بسبب انتشار ظاهرة الزواج العرفي، ولا يستغرب المراقبون من أن أغلب المتورطات هن طالبات منقبات.
وأكثر من 30 بالمئة من القضايا التي تم رفعها هي من قبل طالبات بصدد استكمال المراحل الأخيرة من دراستهن.
وخلال العام المنقضي ذكرت دراسة اجتماعية أكاديمية أن عدد حالات الزواج العرفي في المؤسسات الجامعية المحلية بلغت 900 حالة، في حين رجّح عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس أحمد الذوادي، أن يفوق عدد حالات الزواج العرفي 2000 حالة.
وقد تفشت الظاهرة في المؤسسات التعليمية العليا من جامعات ومعاهد وكليات متخصصة وزادت وتيرتها منذ الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير من عام 2011.
وكانت ظاهرة الزواج العرفي انتشرت في عدد من الجامعات وخاصة بين طلبة وطالبات الجماعات السلفية، وسجلت بعض الحالات في معاهد ثانوية، الى جانب اتساع الظاهرة في الأحياء الشعبية الفقيرة والمهمشة، حيث يجد التيار الإسلامي المتشدد مناخاً مهيئاً له للانتشار.
الا أن انتشار الظاهرة بالجامعات هو الذي احتل نصيبا كبيرا من الاهتمام بسبب حساسية الدور الوظيفي للمؤسسات الدراسية، ويرى القيادي باتحاد الطلبة أحمد الذوادي، أن الظاهرة لا تزال تشهد اتساعا واضحا، وأن العديد من الطلبة يؤجّرون منازل في أحياء متقاربة خصيصا للزواج العرفي، وجل الحالات تمت دون علم العائلات.
وأشار إلى أن تعرض عدد من الطالبات للحمل يطرح إشكالية تسجيل الأبناء عند الولادة، وكيفية التعامل معهم إدارياً على أنهم أطفال شرعيون أم لا.
القانون يمنع
ويعتبر الزواج العرفي في البلاد زواجاً على خلاف الصيغ القانونية، ويعاقب عليه طبقا لأحكام القانون عدد 3 لسنة 1957 المتعلق بتنظيم الحالة المدنية، وهو حسب الفصل 36 من قانون الحالة المدنية والفصل 31 يعد باطلاً ويعاقب الزوجان بالسجن مدة ثلاثة أشهر.
وكانت تونس أول دولة عربية منعت تعدد الزوجات، وجرّمت الزواج غير المدني، واعتبرت كل زواج غير معلن ومدون في دفاتر الحالة المدنية، زواجا خارج الإطار القانوني وذلك منذ أغسطس 1956 تاريخ صدور قانون الأحوال الشخصية الذي كان بمبادرة من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، بعد ستة أشهر من استقلال البلاد.
وبعد الانتفاضة التي أطاحت بالنظام السابق، قبل ثلاثة أعوام، عمت الفوضى مختلف مجالات الحياة رغم صمود مؤسسات الدولة، وظهرت الجماعات السلفية بشكل غير مسبوق، وهي في أغلبها رافضة لقوانين الدولة المدنية، وظهر من بين الزعامات السلفية من بادر بتكفير الدولة، ومن اعتبر منع تعدد الزوجات خروجا عن صحيح الدين.
ورغم محاولات عدة، فشلت حركة النهضة الإسلامية من العودة بالزمان الى الوراء، وأكدت من موقعها على رأس الحكم، ورغم امتلاكها الأغلبية في داخل المجلس الوطني التأسيسي أنها لن تمس قانون الأحوال الشخصية ولن تتراجع عن تجريم الزواج بثانية.
سياسيون على الخط
وكان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي قد أعلن رفض حزبه لانتشار ظاهرة الزواج العرفي واعتبرها اعتداء على القيم الإسلامية، بينما أكد الرئيس منصف المرزوقي رفضه للظاهرة، وهو ذات ما أكد عليه رئيس الحكومة، وقال وزير العدل السابق والقيادي الإسلامي نورالدين البحيري إن لا مجال للتراجع عن مكاسب المرأة والأسرة في تونس، واعتبر نائب رئيس حركة النهضة عبد الفتاح مورو أن الزواج العرفي مجرد دعارة تحت غطاء الدين الذي هو بريء منها، محذرا من مآسي الأطفال المولودين خارج إطار الزواج الشرعي والقانوني.
وشددت وزيرة شؤون المرأة والأسرة والقيادية في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، سهام بادي على ضرورة التعامل بكل صرامة مع الزواج العرفي في البلاد، وتطبيق القانون لوضع حد للقضاء على الظاهرة باعتبار هذا النوع من الزواج يمس كامل المؤسسة العائلية، ويعرضها للتهديدات وخاصة الاطفال الذين يولدون في اطار غير شرعي.
وأعلنت عن الشروع قريبا في انجاز تحقيق حول موضوع الزواج العرفي في تونس.
