لم تكن صيحة التغيير التي صرخت بها حناجر الحراك الشبابي في الوطن العربي لتبديل أحوالهم نحو الأفضل، ودفع واقعهم إلى الأحسن، تُشير إلى أن الرياح التي أطلقوها وساروا في ركابها ستجلب عليهم غير ما حملوه، وعقدوا على تحقيقه العزم.
فبعد أن انكشفت الغمة وزال الغبار وظهرت النتائج وبانت حقيقة تلك التي لا تزال ماضية تبين أن أحلام الربيع لم تكن إلا سراباً، فدخلت الدول التي عبرت بوابة الثورات خريف الفتن والانشقاقات وسفك الدماء والتفجيرات، وعصفت بالساحة أعاصير الخوف والقلق، وغاب الأمن والأمان، وحضر الجهل والجوع والقتل والغضب.
ويوضح الباحث الفلسطيني في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان محمد جمال أن ما يجري في الوطن العربي يندرج في إطار الاستعمار الجديد الذي يهدف إلى السيطرة بكل قوته على العالم العربي، مؤكداً أن ما جرى لا علاقة له بالحريات وتكريس الديمقراطيات كما أشيع، وإنما هو تحقيق لمصالح خاصة وحسابات سياسية تم زج الدين فيها لاستغلال مشاعر الناس وحاجاتهم ودمائهم وواقعهم المرير.
وعلى صعيد التأثر الفلسطيني بما جرى فإن قضية النكبة وما يفعله الاحتلال، نجدها تراجعت عربياً منذ شرارة الربيع الأولى، فضلاً عن إطالة عمر الانقسام وتعزيز النزعة الانفصالية لدى حماس التي تسيطر على قطاع غزة بعد أن وصلت حركة الإخوان الأم إلى سدة الحكم فارتفع بذلك سقف المطالب، والحالة الآن لا توصف بالربيع بل بالدمار القاتل، فالأمور تحولت بعد أن تبدد الربيع وبان على حقيقته وبقي جاثماً فوق صدورنا يطلق الحروب الأهلية الهادفة إلى السيطرة على البلاد والعباد.
فأحلام الشباب والأطفال والكهول بالتغيير اختفت لصالح أصحاب المصالح من الأحزاب الذين باتوا يتحكمون بالمقدرات بعد وصولهم إلى سدة الحكم، فلا أمل في ربيع حقيقي قريب قادم، وإنما ستسوء الحالة في الوطن العربي أكثر مما هي عليه إلى أن يأتي نور الربيع الحقيقي ليطرد ظلمة الخريف الذي نعيشه.
وما يجري الآن يندرج في إطار الاستعمار الجديد الذي يهدف إلى السيطرة بكل قوته على العالم العربي، وما جرى لا علاقة له بالحريات وتكريس الديمقراطيات كما أشيع، وإنما هو تحقيق لمصالح خاصة وحسابات سياسية تم زج الدين فيها لاستغلال مشاعر الناس وحاجاتهم ودمائهم وواقعهم المرير، والحالة الآن لا توصف بالربيع بل بالدمار القاتل.
النار مشتعلة
من جانبها أشارت الكاتبة السياسية الفلسطينية سهير جميل للأسف تسرع الكثيرون في وصف الحراك الشعبي في دول الثورات "بالربيع العربي" خاصة والتغيير لم يبدأ بعد، فالثورات سياسياً تحتاج الى زمن طويل حتى يتكرس الشكل الذي كانت الثورة من أجله، وتحقيق الغاية منها، والحراك أو الثورات الشعبية في عالمنا تحتاج إلى زمن طويل لكي تعايش الديمقراطية، فالتحول في النظام السياسي لا يمكن ان يتشكل في سنتين أو ثلاث بل يحتاج عشرات السنين والكثير من الكفاح والتجريب والتفكير والتعمق والدراسة والتدقيق والتحليل.
والثورات ما كان لها أن تكون عربياً لو أن الشعوب كانت تتمتع بحقوقها الإنسانية والعدالة الاجتماعية وحرية الفكر والرأي، وهي ثورات لن تتوقف، طالما الشعوب لم تنل حقوقها والنار ستظل مستعرة، والشعوب كسرت طوق الحصار وخاضت تجربة الثورة لن تتوانى عن تكرارها مرة أخرى حتى تحصل على حقوقها وحريتها، وان نجحت محاولات سرقة الثورة الآن فإنها في نهاية المطاف لن تنجح، فالنار ستظل تحت الرماد حتى يأتي الوقت المناسب لاستعادة الحقوق السليبة.
وأحداث الربيع كانت ولا تزال تنعكس بشكل مباشر على الشارع الفلسطيني الذي خرج مراراً وتكراراً للتعبير عن موقفه الرسمي والشعبي والتضامن مع مطالب الشعوب، وحقوقها والتنديد بعد ذلك بسرقة الثورة بعد وصول الإسلام السياسي لسدة الحكم.
مراحل باقية
وحول تبدل الربيع العربي خريفاً أوضح المحلل السياسي صالح مشارقة، أن تراجع الربيع العربي يعود إلى أنه أعطى فرصة للأحزاب التقليدية الدينية منا أو غيرها للعودة لخيارات الجمهور كبديل عن الأنظمة السابقة التي سقطت، ولكن سرعان ما تبين أن أولئك جاؤوا بحقائب فارغة، فتحرك الجمهور ضدهم.
واعتقد أن تحولات الربيع لن تتوقف، وستبرز العديد من القوى، وستكون هناك مراحل كثيرة قبل أن تتجمع المطالب والأحداث وتتجسد في كتلة بشرية تاريخية ستقترح البديل بشكل جماعي وليس بأحزاب وأيديولوجيات قديمة.
