ما ان لاح فجر الربيع العربي في المنطقة حتى اتجهت الأنظار إلى اجيال جديدة مثقلة بكل ما استجلبه عصر التكنولوجيا من إمكانيات تواصلية جعلت من التجمعات ليست كما في السابق.

وانما من خلال فضاء الأسافير غير المتناهي الأمر الذي جعل شرائح الشباب الدينمو المحرك لكل ثورات التغيير، التي عمت عدداً من بلدان المنطقة العربية، ورغم ان هبوب تلك الثورات اتجه من مصر جنوباً ناحية السودان الا ان عوامل عدة تداعت لاخماد ذلك الحراك، وتباينت الآراء حول تلك العوامل.

فهناك من يرى ان حالة القمع التي واجهت بها السلطات الحكومية تحركات الشباب في يوليو من عام 2012 وسبتمبر 2013 كبلت التحرك رغم ان مرجله لم يزل يغلي سيما بعد مقتل ثمانين شاباً بالرصاص الحي.

بينما يرى آخرون ان فشل تجربة التغيير في بعض دول الربيع العربية والتكالب على السلطة، زاد خشية الشعوب التي بدأت في الانتفاض من ذات المصير ما جعلها تؤثر الصبر على أنظمتها برغم استبدادها.

يقول رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب الأمة السوداني المعارض الصادق المهدي لـ(البيان)، هناك مجموعات وعناصر كثيرة يمكن أن تحدث التغيير مثلما حدث في مصر وتونس، ولكن تلك التنظيمات ومع مشروعية قضيتها وحماسها ليس لديها هياكل ولا برامج موحدة.

ما أدى الى انقسامها بعد التغيير مباشرة الى عشرات الفصائل، واراد ان تحدث القوى الشبابية في السودان التغيير وأي تغيير بلا هيكلة واضحة وبرنامج سيضع السودان في موقع بلدان الربيع العربي، ويمكن ان يحدث التغيير ولكن بعد التغيير ستصبح الساحة مفتوحة للقوى المنظمة سواء العسكرية او المدنية الحزبية.

ويشير زعيم حزب الأمة الى ان كل حالات الغضب التي تمت في السودان مؤخراً كانت تلقائية لكنها لم تبلغ نهاياتها، وأي نوع من التغيير يحدث بالطريقة التلقائية سيضعنا في فوضى الربيع العربي وهي الخانة التي اتضح الآن انها تأتي بنتائج سيئة ما لم تكن هناك خطوات محسوبة. وتحرك الشارع وحده لا يغير النظام ولا بد من دعم القوات المسلحة.

بدوره يقول الناشط الشبابي محمد حسن عالم أن الفوضي التي تشهدها بعض بلدان الربيع العربي ليست أمراً خطيراً وهي ثمن الحرية وتصب في مصلحة الشعوب التي حتماً ستقود الي الديمقراطية، وقبول الآخر والتداول السلمي للسلطة، سيما وان تلك الشعوب ظلت منذ الدولة العثمانية وعهود الاستعمار ترزح تحت نير الحكم الاستبدادي، ومن الطبيعي ان يحدث ذلك، فالديمقراطية لا تدرس في المدارس.

وانما تكتسب بتراكم التجارب والطريق نحو قبول الآخر ليس مفروشاً بالورود، وكل طرح القيادات السياسية التاريخية المعاصرة في السودان يمثل طرحا ديمقراطيا غير انه لم يجد تنفيذا علي الواقع ، نسبة لتربية الشعب التي لم تقم على قبول الآخر نتيجة للتجارب المتراكمة من عهود الاستبداد .

وحول الصراع على السلطة في بعض البلدان التي اجتاحها فجر التغيير بكل من مصر وتونس، اعتبره عالم طبيعياً ولمصلحة الشعوب، وكل بلدان العالم التي تمثل نموذجاً للديمقراطية الحقة ، شقت طريقاً قاسية من أجل الوصول إلى ما آلت إليه اليوم.

وفي السودان اذا ما حدث تغيير فإنه سيعاني ولكنه في نهاية المطاف سيصل للتحول المنشود، وما يثار من مخاوف حول مرحلة ما بعد التغيير، نتاج لقصر النظر وجهل الشعوب العربية بالممارسة الديمقراطية، سيما وان تركيبة وثقافة الشعوب العربية مشتركة لما بينها من تاريخ ودين واحد.

وكل الذي يحدث بعد ثورات الربيع العربي، هو مخاض للديمقراطية وعلى الشعوب التي تحملت طيلة عهود الاستبداد ان تصبر حتى تجني ثمار التحول الديمقراطي.