هل تحولت ثورات الربيع العربي إلى خريف غضب في البلاد التي انتفض شعبها من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية؟ أم لايزال الربيع يفرز تداعيات لم تنته؟.

يسرد الخبير الأردني في الصراعات الدولية عدنان برية الكثير من الأسباب لبروز مظاهر لا يمكن وصفها بالربيع لأن هناك ثمة سبب مركزي ورئيسي كان وراء الفوضى القائمة اليوم، بسبب استعجال الثوريين لجني ثمار انتفاضتهم والاستعجال دفعهم الى الاعتقاد بأن اسقاط رأس النظام يعني اكتمال الفعل الثوري.

والحقيقة ان اسقاط رأس النظام لم يشكل سوى بداية للفعل الثوري الذي لا ينجز الا بإسقاط ثلاثة بنى اساسية هي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

وفي تجارب الدول الأربع التي شهدت تغييرا في رأس الدولة استعجل الفاعلون الوصول الى السلطة، ما أدى إلى ارتكاب مجموعة من الاخطاء والمعيقات. والخطأ الأساسي التسرع في الوصول الى السلطة والعقبة الاساسية التي برزت واضحة هي عدم القدرة على معالجة النظام الذي يريدون اسقاطه.

فالنظام المطاح، استطاع ان يرسم شبكات من المصالح على مختلف المستويات في الدولة، بحكم فترات حكمه الطويلة، ولم يستطع الثوار معالجتها وبناء قيم بديلة لوجودها. وواجه شباب الربيع النظام من دون استراتيجية واضحة، ومن دون ادراك لحجم تأثير النظام على المنظومة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ودول الربيع مقبلة على صراع داخلي سيؤسس لمنظومة علاقات جديدة بين القوى الفاعلة، وهي التي ستحكم مستقبل التغيير. والتجربة التونسية كانت الأقرب الى التحول الديمقراطي والانتقال من الفترة المرحلية لاعتمادها على الحوار كوسيلة وحيدة للتعاطي مع الخصم.

من أجل ذلك لا نرى في ثورة الياسمين الاستقطاب الحاد الذي نراه في الدول الأخرى، فمصر التي لم يعتمد فيها الناس على الحوار كحل سياسي وحيد قادها ذلك الى انقسام حاد لايزال يفعل فعله. وهي ذاهبة اليوم نحو المزيد من الانقسام، وشكله المستقبلي سيعتمد على قدرة الشباب في المبادرة والفعل لأنهم القوى الفاعلة والحقيقية اليوم في الشارع.

التدافع التاريخي

وتتحدث الخبيرة في شؤون الحركات الاسلامية ربى كراسنة عن حكاية قرون من التدافع التاريخي بين حرية الشعوب العربية ورغبتها في الانعتاق من عصورها الوسطى. والضابط لما يجري في بلدان الربيع هو حجم الظلم والجور الذي تستعد فئة ما لتفعله بأبناء وطنها، وكلما زاد الاستعداد للظلم زادت معه حجم الفوضى.

وهناك ثلاثة نماذج هي سوريا وتونس ومصر. ففي حين أبدى طرف سوري استعداده للمضي في القتل والتدمير، ظهرت التجربة التونسية أكثر رأفة، لعدم استعداد أي من اطراف المعادلة الربيعية بالخوض في الدماء والأرواح والأعراض.

وفي مصر يظهر النموذجان السوري والتونسي من دون اطلاق، رغم وجود بنية اجتماعية تجعلها لاتزال متماسكة، لتحتضن او تريد ان تجذب إليها النموذج التونسي وتستبعد السوري.

 والصراع الذي برز بأشكاله الثلاثة اضافة الى اليمن في حقبة الربيع لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وشعوب الدول الأربع لاتزال تروي قصتها، دون أن يصل أي منها الى نهاية الحكاية.