لا يمكن إطلاق وصف «ربيع» على ما حصل في العراق، فالغزو والاحتلال، وسقوط بغداد، لا علاقة لها إلا بالتاريخ الهمجي، وفرض منطق القوة من دول على أخرى، ولكن على الرغم من ذلك، يدعي بعض السياسيين الحاكمين في بلاد النهرين، أن الربيع بدأ في بغداد عام 2003، مع كل ما رافق ذلك الحدث من تدمير، حتى للأحلام، بمجيء حكم ديمقراطي، لأن ما كانت ديكتاتورية، تحولت إلى ديكتاتوريات، وانقلبت كل المفاهيم، وأصبح الوطني إرهابياً، والموالي للاحتلال وإرهابه ديمقراطياً، والأنكى، تمزق النسيج الاجتماعي العراقي، وتفاقم الحالة المأساوية التي كان يعيشها الشعب بسبب ظروف الحصار.
ويؤكد المراقبون أن أوليات مفهوم الديمقراطية، تتمثل بتوفر العدالة الاجتماعية، فلا ديمقراطية بلا عدالة، حيث بلغت السرقة الرسمية والفساد إلى مصاف أعلى المستويات العالمية، وبلغ الفقر أيضاً إلى مصاف أعلى المستويات، في البلد الذي يعد من أغنى بلدان العالم. ويتساءل المراقبون: هل هذا هو ما أرادته الولايات المتحدة من نشر الديمقراطية في العراق، بمنحها الهيمنة الكاملة والمطلقة للتيارات الدينية الطائفية؟. ويصف محللون غربيون النظام الوليد في العراق، بأنه يدور بماكينة النظام السابق، مع الفرق أن الشيعة هم الذين يديرون المحركات.
ولا يجد المحللون أن الوقت اليوم مازال مناسباً للاستمرار في "لعبة نشر الديمقراطية" في الشرق الأوسط، بناءً على الدروس المستقاة من التجربة العراقية، مؤكدين أن "هذا الهدف لن يتحقق في هذه المنطقة من العالم، على المدى القصير على أقل تقدير".
وليست تجربة العراق الصعبة، وحدها، التي يسوقها المحللون، لتأكيد صحة مبرراتهم، فهم يجدون في مصر مثلاً - مشروع تجربة "تشعر كثيرين بالإحباط، لأنها برهنت بشكل قاطع أن الكتل التقليدية والحرس القديم لهم القدرة على رفض التغييرات التي تقلص من مكانتهم وصلاحياتهم.
وفي أغلب الدول العربية، لا احترام للمشاعر الديمقراطية، فثمة من يبرد حرارتها إذا ما ازدادت زخماً وشمولية، للحيلولة دون تحولها إلى شعور ثوري جمعي عارم يطيح بالقوى التقليدية. وليست التجربة الليبية بعيدة عن التجربة العراقية، إذ أسفرت أيضاً عن فوضى ميليشيات ترفض التخلي عن أسلحتها ليترافق ذلك مع صراع قبلي وطائفي وإثني.
وهنا.. يجدر التساؤل: هل قلب الربيع العربي المفاهيم الأميركية، وجعلها تتفهم التأثير الديني على حركة الشعوب والتاريخ في هذا الجزء من العالم؟.. نرى واشنطن تبدي استعداداً للحوار، بل والتعاون مع قوى إسلامية لتتبوأ مقاليد الحكم، لقناعتهم أن الحكم والدين متداخلان فيما يتعلق بالشرق الأوسط، ولم يستوعبوا الفكرة المترسخة في ثقافة المنطقة من قبل، واندفعوا الآن لاستغلالها والاستفادة منها في تحالفاتهم الجديدة حتى تستمر الهيمنة والنفوذ، كبديل عن التيارات الأخرى، فالكوابح الدينية لديها القدرة على فرملة الشارع في الوقت المطلوب.
وبالطبع فالولايات المتحدة تؤيد تجربة استغلال التيارات الدينية المتطرفة تحت غطاء "الديمقراطية"، التي لم تنضج مقوماتها، ولن تنضج في المدى المنظور.
