مع تزايد عدد سُكان مصر منذ عام 1948 إلى أربعة أضعاف، وهي زيادة رافقتها بنية تحتية فشلت في استيعاب المتغيرات، وترتب عليها خلق المزيد من الأزمات الطاحنة، التي تواجه مُختلف الحكومات كشبحٍ دائم، ورغم جُملة الحلول التي يطرحها الحُكماء والخبراء كلٍ في قطاعه فلا جدوى..
ولا تغيير. ومن أبرز تلك الإشكاليات التي أفرزتها الزيادة السكانية التي تشهدها القاهرة، هي إشكالية "الوقود"، التي ظلت كصداعٍ في رأس الإدارات المصرية المختلفة، إلا أن الإشكالية تظهر وتختفي من آنٍ لآخر، فيما تظل المُشكلة الأكبر التي يشعر بها المواطنون في مصر على اختلاف مراكزهم المُجتمعية وترتيبهم في الهرم الوظيفي..
وعلى اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم، هي مُشكلة المرور والزحام الشديد الذي تشهده شوارع القاهرة، التي تُصاب في مُعظم أيام الأسبوع بـالشلل التام والاختناقات، بحسب وصف مراقبين اذ يعتبرونها قضية كارثية، ومن أكبر المشكلات التي تواجه كل الحكومات المتعاقبة.
ورغم أن الرئيس المعزول محمد مرسي قد وعد ضمن ما وعد به خلال خُطة المئة يوم الأولى من رئاسته لمصر، بحل أزمة المرور ضمن أزمات أربع أخرى، إلا أنه فشل في ذلك كما فشل السابقون، ولم تفلح حلول الخبراء الأجانب الذين تم استقدامهم من الخارج لمشورتهم في ايجاد حل تلك المشكلة، ولم تفلح أيضا جهود الحكومات المتعاقبة في وضع نهاية منطقية لتلك المشكلة.
وكانت إحدى الدراسات الحديثة التي أعلن نتائجها مركز اتجاهات للدراسات والبحوث، قد أشارت إلى عمق حجم إشكالية المشهد المصري، فالمواطن يقضي نحو 72 ساعة شهريا في المواصلات العامة، بمعدل 3 ساعات يوميا على الأقل في مشوارٍ واحد من وإلى المنزل!، وأبانت الدراسة أن المصري يقضي نحو 12% من عمره في المواصلات "بحساب متوسط الأعمال بالقاهرة". والمشكلة المرورية بالقاهرة تتناسب طرديا مع التزايد السكاني، ومن ثمَّ فهي ليست وليدة الصدفة، إذ يُرجع البعض بداية وجودها كظاهرة إلى حقبة الستينات.
أسباب وحلول
ويُشير مدير مرور الجيزة الأسبق اللواء فهمي الهلباوي، إلى أبرز الأسباب التي تدفع إلى الكثافات العالية في الحركة، ومن أبرزها احتلال الباعة الجائلين لحيز كبير في عدد من الميادين، وعدم توافر مواقف خاصة لسيارات الأجرة و"الميكروباصات"، وعدم التزام السائقين بالقانون، وفي السياق ذاته اقترح بعض الحلول التي من شأنها تخفيف حدة المشكلة في القاهرة والمحافظات التي تشهد كثافات عالية..
ومنها إنشاء الكباري والأنفاق، فضلاً عن إنشاء "جراجات" مُتعددة الطوابق للسيارات في العديد من الميادين الرئيسية. وعلى مؤسسات الدولة أن تتكاتف من أجل حل تلك الإشكالية، وعلى المحليات التعامل مع مشكلة الباعة الجائلين، فضلاً عن قيام الحكومة بتغليط العقوبات على المخالفين من السائقين.
ويذكر أن وزارة المالية بمصر قد وافقت على تخصيص 655 مليون جنيه لوزارة النقل؛ لشراء 600 أتوبيس، 400 منها بالغاز الطبيعي، و200 بالسولار، وذلك بالتعاون مع هيئة التسليح وإدارة المركبات بالقوات المسلحة، ومن المقرر أن يدخل بعضها العمل مع نهاية يناير المقبل، بحسب ما أكده رئيس مجلس إدارة هيئة النقل العام بالقاهرة اللواء هشام عطية..
إلا أن أستاذ الطرق والمرور والنقل بكلية الهندسة جامعة عين شمس الدكتور أسامة عقيل، قد لفت إلى أن تلك الأتوبيسات لن تحل مشكلة المرور في مصر، مشيرا إلى عددٍ آخر من الحلول الهادفة لحل الأزمة المروية، منها التوسع في شبكات مترو الأنفاق، والقطارات السريعة داخل العاصمة وضواحيها، إضافة إلى التوسع في نشر الأتوبيسات مُتعددة الأدوار، التي تستوعب عدداً كبيراً من الرُكاب وتُقلص عدد المركبات المُستخدمة يوميا بالشارع، خاصة في فترة الصباح والظهيرة.
