بات الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، يئن ويشكو من ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، ولم يعد أصحاب الدخل المحدود يستطيعون العيش بشكل ميسر، ناهيك عن تلك الشرائح التي تعيش تحت خط الفقر.
وتشتعل الأسعار مع كل ارتفاع لسعر الدولار وهي لا تنخفض بانخفاضه والفرق يدفعه المواطن البسيط المغلوب على أمره إذ يطحنه الغلاء في قرارات حكومية متخبطة لا تستطيع كبح جماح الأسعار أو توقف جشع التجار والموزعين والمستوردين والمحتكرين.
وجنون الأسعار يضرب أسواق الخضروات والفاكهة والألبان واللحوم وحتى أسواق الملابس الجاهزة والأجهزة الكهربائية ومستلزمات الإنتاج.
في بعض الدول يصل الناس إلى صيغة مثلى في محاربة الأسعار وذلك بعدم شراء بعض السلع فيقود ذلك لإضعاف القوة الشرائية بالأسواق، فتصبح تلك السياسة عاملاً أساسياً في استقرار الأسعار إلى حد ما وكسر حدة الركود خاصة وبعض التجار أمام الكساد ولمجابهة التزاماتهم يقومون بتخفيض هامش الربح أو الاستغناء عنه تماماً من أجل دوران عجلة الإنتاج والبيع والشراء وتنشيط حركة التعامل.
وتلجأ بعض الشركات والمؤسسات الكبرى ومحلات السوبر ماركت بابتكار خطط بديلة وذلك بزيادة كميات عبوات السلع الغذائية المعبأة بنسبة معقولة مستندين إلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار بتقديم عروض، بدلاً من التخفيض.
تباينت الآراء حول قضية الغلاء وتعددت الحلول وإن اختلفت في أشكالها ومساراتها وآثارها من دولة إلى أخرى.
للبحث عن المخرج وهل التكافل يكفي عبر إعانات الزكاة والدعم الحكومي وهبات الأغنياء؟، وكيف تكون الحلول لعلاج المشكلة في الغذاء والمسكن والملبس والتعليم والصحة؟ ولماذا فشلت مبادرات عربية عديدة مثل السوق المشتركة والاستثمار في مشروعات تبادلية بضخ المال والاستفادة من الكوادر البشرية والخبرات الفنية؟
معونات
الوضع البحريني مختلف وتدبير الحلول ممكن

هل تكفي القنوات الخيرية والإنسانية والتكافل الاجتماعي للإسهام في حل مشكلة الغلاء الضاغط على حياة الناس المعيشية؟، بكل تأكيد ومن خلال الخبرة والممارسة في مجال الأعمال الخيرية..
فإن كل ما تقدم ذكره، لا يمكن أن يكفي، فالمساعدات والمعونات التي تقدم للأسر نظراً للزيادة المستمرة في متطلبات الحياة وتطورها، لن تحقق المطلوب في ظل ارتفاع الأسعارالمتسارع، والذي ألقى بظلاله على تدفق التبرعات والمساهمات التي يقدمها الميسورون في المجتمع للمؤسسات الخيرية والإنسانية.
وما يُميّز العالم العربي والإسلامي وجود التكافل بين أفراد المجتمع والذي يبدأ من ثالث أركان الإسلام وهي الزكاة التي نقوم بإخراجها سواء على المال أو الزرع أو الذهب أو غيرها والتي حدد آليتها الفقه الإسلامي وأشار إلى مستحقيها وشروط الاستحقاق، وكذلك الصدقات وغيرها من الأعمال الخيرية والإنسانية، ولذلك تكثر في بلداننا المؤسسات الأهلية الاجتماعية التي تعتني بالمتعثرين مالياً وتساهم في تخفيف الأعباء المعيشية منها.
الباحث المهندس محمود الزيني قال: إن الغلاء بات يرهق الميزانية الشهرية لأي أسرة عربية، ولكن الوضع في البحرين بشكل خاص وفي الخليج بشكل عام يختلف، فمهما كانت اسعار المواد التموينية مرتفعة، إلا أن المواطن في نهاية يومه قادر على تدبيرها بطريقة أو أخرى، أما في جانب الخدمات التعليمية والصحية فهي لا تنقصها الاعتمادات المالية بقدر ما تعاني سوء الإدارة وعدم التطوير المستمر.
والمشكلة الحقيقية تكمن في المسكن لما يتطلبه من اعتمادات مالية ضخمة ولا توجد دولة في العالم قادرة على توفيرها بشكل كامل، ولا يمكن حل القضية، بغير إشراك الجامعات ومراكز الأبحاث في دراسات تتناولها من جميع جوانبها ، لإيجاد الحلول الناجعة لها. والغريب أن بلداننا جربت نماذج لمنازل صينية وأوروبية وأميركية منخفضة التكلفة الا انها لم تتناسب وطبيعة المواطن العربي..
وكثير من المباني السكنية في البحرين تبحث لها عن ساكن بلا جدوى، وهنا يكمن دور مؤسسات البحث الوطنية في النظر للمشكلة كقضية أسر تحتاج لمنازل لا أن تنظر لمشكلة الإسكان كمسألة أرقام يجب أن تحتويها صناديق خرسانية.
وعن فشل تحقيق حلم السوق العربية المشتركة فذلك لسببين، اول، الانشقاق الواضح في الصف العربي والذي تفاقم بشكل واضح مع الغزو العراقي للكويت في مطلع تسعينيات القرن الماضي..
والثاني، تفاوت درجة التنظيم الإداري بين الدول العربية، والدليل على ذلك نجاح تجربة دول مجلس التعاون الخليجي بدرجة أكبر من غيرها لما بينها من روابط قوية وتوافق في الرؤى التنموية، وتقارب في درجة تطور التنظيمات الإدارية للدول.
وضع مختلف
وأوضح الناشط الاجتماعي خالد موسى البلوشي أن العديد من المبادرات العربية فشلت على مستوى الحكومات لعدم الجدية في تطبيقها على أرض الواقع، فمن الحلول التي يمكن أن يتم تطبيقها قيام الحكومات بتوفير المواد الاستهلاكية لمواطنيها بآلية محددة وفق عدد أفراد الأسرة..
وكذلك يمكن للحكومات أن توجه دعمها للسلع الاستهلاكية حتى يستفيد منه المواطنون بشكل أكثر. ويعتبر غلاء المعيشة مصيبة حلت على الفرد والأسرة وخصوصاً المفاجئ منه، لما يشكّله من عبء يتصاعد بين الفينة والأخرى ولأسباب عديدة لعل خبراء الاقتصاد يحللون الظاهرة التي يشتكي منها العالم كله من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والسياسية والمناخية التي مرت وستمر على المعمورة.
ويمكن أن يكفي التكافل في حال تنظيمه بطريقة تضمن استدامته، فالزكاة يجب أن تكون لها أجهزة تقدرها وتعمل على تحصيلها من كل مسلم قادر على إخراجها، وكذلك الدعم الحكومي لابد أن تكون هناك آلية تضمن وصوله لمستحقيه فقط، فمن غير المنطقي أن تشتري بعض فئات المجتمع الوقود والخبز بأسعار مدعمة وهي قادرة على امتلاك منازل في أوروبا، وفي الوقت نفسه تدخل ضمن شريحة المستفيدين من الدعم.
ويجب أن يكون لهبات الأغنياء صندوق خاص، يضمن عدم استغلال البعض من أصحاب النفوس المريضة لكرم الأثرياء، والأهم توجيه الموارد بطريقة تضمن وصولها لمحدودي الدخل على المدى الطويل بدلاً من المسكنات عبر مساعدات مؤقتة، والأفضل إقامة مشاريع صغيرة وتمليكها للأسر المحتاجة، أو من خلال تأسيس شركات مساهمة يكون للمواطن فيها نصيب أو بدعم تعليم وتدريب الشباب وتهيئتهم لمتطلبات سوق العمل.
الفقر وعودة المغتربين يضاعفان معاناة اليمنيين

ارتفاع أسعار المواد الأساسية في بلد كاليمن شديدة الوطأة على سكانه وله تداعيات خطيرة ومضاعفات مركبة على حياة وصحة الفرد والمجتمع لاسيما في الظروف الحالية التي تعيشها البلاد.
فحوالي 50 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ومع أن سياسات مكافحة الفقر في النصف الأول من العقد الأخير، قد خفضت النسبة من 47.17% مطلع الألفية إلى 34% عام 2005 م ، إلا أن عدداً من المتغيرات والأحداث شهدتها البلاد رفعت تلك النسبة إلى مستويات غير مسبوقة لتصبح 50 % وفقاً لتقديرات المنظمات والمؤسسات الدولية والأممية.
ومن تلك العوامل التي جعلت تأثيرات ارتفاع الأسعار بالغة الشدة بحسب تقارير حكومية ودولية وحكومية أبرزها، تعرض البلاد لموجات جفاف حادة ما أثر على مردود النشاط الزراعي الذي يمثّل مصدر الدخل الرئيسي المباشر أو غير المباشر لشريحة واسعة من السكّان تقدر بـ73.5 %.
وبعد أن كان النشاط الزراعي يمثل أهم مصادر الدخل أصبح لا يمثل سوى 21 % فقط من إجمالي الناتج المحلي، وأكثر من نصف الأراضي الزراعية 54% يعتمد على الأمطار بينما تستهلك غالبية الأراضي المتبقية المياه الجوفيّة.
واضطر الكثير من السكان إلى البحث عن فرص أخرى للدخل إما بالهجرة الداخلية أو الخارجية والعمل في الخدمات والتجارة والصناعة، والنقل غير أن تلك القطاعات هي الأخرى تأثرت كثيراً نتيجة الاضطرابات السياسية والاختلالات الأمنية التي تعاني منها والتي أثرت سلباً على مردوديتها.
ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز الدكتور عبدالواحد العفوري: جميع القطاعات تمر بحالة ركود أثرت سلباً على أنشطتها، ما انعكس على القدرات الشرائية في وقت تخيم على السوق موجة ارتفاع اسعار غير مسبوقة.
ومع أن الحكومة اليمنية تقدم مساعدات شهرية نقدية للأسر الفقيرة - في حدها الأدنى ألفي ريال والأعلى خمسة آلاف ريال "الدولار يساوي 215 ريالاً" عبر ما يعرف بشبكة الحماية الاجتماعية التي وضعتها الحكومة بموازاة تحرير الأسعار ورفع الدعم عن المواد الأساسية حسب تعليمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي..
فإن ذلك لم يحقق الغرض المنشود لأنها مبالغ زهيدة، ولم تتحرك بشكل موازٍ مع ارتفاع الأسعار، فعطلت طاقة العمل، خاصة عند من يقنعون بالعيش على حد الكفاف في الوقت الذي تعتمد البلاد على استيراد المواد الأساسية الاستهلاكية.
تفشي الفساد
ويكشف رجل الأعمال عبدالرحمن غالب عن خلل آخر في عملية توزيع وإيصال الدعم للمستحقين يتمثل في تفشي المحسوبية داخل الإدارات خاصة السلطات المحلية في المناطق الريفية التي ترتفع فيها نسبة الفقر إلى 80 % ..
حيث وزعت المساعدات المقررة كل ثلاثة أشهر، إلى الأقارب والعشائر المنتمية للقائمين على أجهزة السلطات المحلية ويحرم منها مستحقوها، وهذا كما يضيف غالب يعني أن المشكلة أعمق بكثير مما هو مدرك لأن السلطات المحلية نفسها هي التي تقدم المعطيات الإحصائية.
ويعزي مدير المبيعات في إحدى شركات الأدوات المنزلية عبدالله راجح، ارتفاع الكلفة من المصدر إضافة إلى زيادة تكاليف النقل والتخزين والإيجارات ورفع اسعار الوقود بنسبة 60 % تؤثر سلباً على أجور النقل وإيجار العقارات، والوضع يقابله ركود في الطلب.
ويرى المراقبون والمحللون أن ترحيل مئات الآلاف من المهاجرين اليمنيين من السعودية يُمثّل مشكلة مركبة تضاف إلى ارتفاع الأسعار، ومن شأنها أن تزيد معاناة السكان خاصة الذين كانوا يعتمدون على التحويلات المالية من أقاربهم في السعودية.
قلق
ارتفاع الأسعار أكبر هاجس يحاصر الكويتيين

يُشكّل ارتفاع الأسعار المُتصاعد هاجساً كبيراً لدى المواطن الكويتي لاسيما في السنوات الخمس الأخيرة التي ضرب الغلاء الفاحش فيها كل مناحي الحياة سواء الضرورية من مأكل ومشرب ومسكن أو حتى الكماليات، وبات الدخل الشهري لأغلب الأسر لا يكفي حاجتها الشهرية!.
وبحسب استطلاع قامت به الجمعية الاقتصادية الوطنية كشف أن قضيتي الغلاء المعيشي والفساد هما من أكثر دواعي وهواجس القلق لدى المواطن الكويتي، وأوضح الاستطلاع أن 64% من الكويتيين يعتبرون مشكلة ارتفاع تكاليف المعيشة وما يرتبط بها من غلاء في الأسعار وديون وقروض هي أكثر ما يقلقهم، خاصة في ظل غياب شبه كامل لرقابة حكومية على جشع التجار.
ويؤكد الصحافي بجريدة الجريدة عمر الراشد ان غلاء الأسعار يعتبر سبباً رئيسياً في الأزمة التي يعانيها المواطن من تراكم ديون وغيرها من المشاكل، من خلال المصاريف الشهرية التي ينفقها لمجاراة حياته اليومية، لافتاً الى انه وبالرغم من الظروف الصعبة والأوضاع الاقتصادية التي يعيشها المواطن الكويتي فإن أصحاب المحلات التجارية يعمدون إلى المبالغة برفع الأسعار خلال فترة الأعياد والمناسبات.
وأوضح ان غياب الرقابة ساعد على الاستغلال الذي يعانيه المواطن والمقيم في الدولة على حد سواء، وكان من المفترض ان تقوم بعض المؤسسات الاقتصادية والتنموية المحلية والعالمية بإصدار مؤشرات للسلع والمواد الغذائية على المستوى المحلي والعالمي بشكل دوري، ما يجعل المسؤولين عن الرقابة والمستهلك أيضاً على دراية بمعدل الزيادات المصطنعة.
ويقول الخبير الاقتصادي سعد القحطاني: إن مؤشر السلع الغذائية من أهم الوسائل التي تعزز توعية المستهلكين في سبيل مكافحة الزيادات المصطنعة للأسعار، فوزارة التجارة والصناعة المنوط بها معالجة مشكلة ارتفاع الأسعار، ألقت المسؤولية على العوامل الخارجية..
والسلوك الغذائي غير المقنن للمستهلك لبعض السلع، كنوع من أنواع الهروب من مسؤوليتها وضعف أجهزتها الرقابية، دون وضع حلول جذرية للمشكلة، باعتبار أن الرقابة على الأسعار اختصاص أصيل للوزارة حسب القانون رقم 10 لسنة 1979.
وطالب بضرورة أهمية العمل من خلال آلية واضحة للرقابة، بالإضافة إلى قيام لجان تفتيش بزيارات مفاجئة على المحال التجارية ومنحها صلاحيات الضبطية القضائية، واعتماد تقاريرها لمحاسبة أي محل يساهم في ارتفاع أسعار السلع واعداد مشروع قرار يلزم بعدم زيادة الأسعار الا بعد الرجوع الى الجهات المسؤولة، مشدداً على ضرورة أن يكون للجنة الأسعار في وزارة التجارة دور رائد في القضاء على الزيادات المصطنعة.
البطاقة التموينية
وفي محاولة للاستجابة لطلبات المواطنين في مواجهة الغلاء فيما يتعلق بضروريات المأكل، فإن وزارة التجارة عمدت إلى إضافة بعض المواد والأصناف الجديدة للبطاقة التموينية وزيادة الكمية المخصصة لكل مستفيد، بغية الحد من الارتفاع المتنامي في أسعار المواد الغذائية الضرورية، غير ان هذه المحاولة نعتها البعض بـ "المسكنات"، مطالبين بدور أكبر للجهات المسؤولة لانقاذهم من جشع التجار.
ويقول المواطن فواز الشمري: إن الدور الحكومي في مسألة الرقابة على الأسعار يحتاج إلى مزيد من التفعيل لكشف التجاوزات، لا أن تقوم بوضع "المسكنات"، مطالباً من خلال الرقابة التجارية القيام بضبط الأسعار ووضع حد للغلاء المصطنع، الذي يمارسه بعض ضعاف النفوس، وذلك لأن التحكم في الأسعار هو الأهم قبل زيادة الرواتب والمعاشات.
وشدد على ضرورة وضع حل لمشكلة الغلاء المتفاقمة والتي تزداد يوماً بعد يوم دون وجود ضوابط للشركات الموردة، خاصة وأية زيادات للرواتب ستكون غير مجدية، إذا لم تحسم قضية الارتفاع المستمر في الأسعار أو التحكم فيها، مع أهمية سن تشريعات رادعة للمحتكرين، والتي تؤثر بشكل كبير على أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.
