أسباب كثيرة تقف وراء انتشار ظاهرة انتحار العراقيين، خاصة النساء، منها نفسية كالشعور بالاكتئاب والعزلة، أو اجتماعية كالعنف الأسري بكل أشكاله، وضغط التقاليد والأعراف الاجتماعية، وأسباب اقتصادية كالفقر والبطالة، وعضوية كالوراثة.

ويرى بعض الباحثين أن هناك من يعتبر الانتحار «شجاعة»، فيما يعتبره آخرون جبناً وهروباً من مواجهة الواقع، لا يخلو من تخاذل لعجز الإنسان عن تحدي آلامه والانتصار عليها.. والانتحار بمثابة انطفاء جذوة الأمل في نفق الحياة لتصبح مظلمة ورهيبة، ولا يعود للتمسك بها ضرورة.

وترى الإعلامية عدوية الهلالي، أن الانتحار قد يكون رسالة يحاول الفرد المنتحر إبلاغها لأهله أو لأي شخص آخر يهمه، كما فعلت الفتاة (هبة م) التي تبلغ الرابعة عشرة من عمرها.

حاجة

وتروي قصة هبة التي تسكن في إحدى قرى قضاء أبي غريب، غرب بغداد، حيث أقدمت على الانتحار بتناول ثلاثة أقداح من مبيد زراعي شديد المفعول لتنبه أهلها إلى ضرورة الاهتمام بها كأشقائها الذكور، ومنعهم من التجاوز عليها. وكل ذلك بسبب صفعة تلقتها من والدتها لأنها ضربت شقيقها الأصغر، فشعرت بإهانة، لذا قررت أن تبلغ أهلها بطريقة المراهقين، حاجتها إلى اهتمامهم، دون أن تتوقع ما سيحصل لها.

وتقول المتخصصة في علم النفس الدكتورة سناء أطيمش: هناك نساء بالغات لا يفكرن بالعواقب حين يقدمن على الانتحار، لتعرضهن إلى ضغوط اجتماعية تتجاوز طاقة احتمالهن، كزوجة فشلت في إنجاب طفل فاضطر زوجها للارتباط بأخرى فلم تحتمل حرمانها من الأمومة والزوج معاً، ووجدت الحل في تناول سم الزرنيخ للتخلص من حياتها.

أو فتاة رفض أهلها تزويجها بمن تحب، أو من تعاني من اضطهاد شقيقها وزوجته لها بعد وفاة والديها، أو تلك التي يضربها زوجها لأتفه الأسباب، ويخونها مع نساء سيئات السمعة، بل يجلبهن أحياناً إلى منزلها لإغاظتها، وأغلبهن وضعن حداً لحياتهن، إما بتناول السم وإما بالعقاقير وإما بالموت حرقاً، وهي الوسيلة الأكثر استخداماً من قبل النساء المنتحرات لضمان تعذر إسعافهن أو إنقاذهن بغسيل معدتهن.

وتضيف المتخصصة أن بعض النساء يجدن حلاً لمشاكلهن المستعصية في الانتحار، إما لعجزهن الكامل عن مواجهة المشكلة، عند إقامتهن علاقة غير شرعية واكتشافها من قبل الأهل، وإما اكتشاف حصول الحمل، وإما لتعذر إصلاح حال الأهل أو الزوج القاسي.

فأغلب المنتحرات من النساء اللواتي لم يحصلن على قدر كاف من التعليم يؤهلن لمواجهة مشاكلهن، إما بممارسة العمل والاعتماد على النفس أو باكتساب الوعي الذي يجعل من الانتحار حلاً يائساً وبائساً، ويدفع المرأة إلى محاولة رد الاعتبار لنفسها بطريقة أكثر قوة وتحضراً، فضلاً عن إدراك مساوئ الانتحار باعتباره مخالفاً للدين ويؤثر سلباً في سمعة المنتحرة وأهلها وفي صحتها أحياناً في حالة إنقاذها.

محاولة

وأمام ظاهرة الانتحار المؤلمة التي تواصل تزايدها، تحاول منظمة الصحة العالمية دراسة الأسباب ووضع المعالجات والحلول اللازمة لها، ومحاولة وضع الاستراتيجيات اللازمة، فضلاً عن الاحتفال بيوم عالمي لمكافحة الانتحار، بالتوعية ونشر ثقافة حماية النفس.. من أجل عالم خال من إزهاق الأرواح بالجهل.