تقع المهدية في تونس، التي يطلق عليها "المدينة ذات الهلالين"، على ساحل الوسط الشرقي، وهي عبارة عن برزخ ممتد داخل البحر، يحيط بها البحر من ثلاث جهات، وهي ذات مناخ معتدل، تؤثر فيها التيارات الهوائية للحوض المتوسط،وتبعد عن العاصمة200 كلم، ولها عبق المجد وصفحات التاريخ،حيث تعتبر ثاني عواصم الخلافة بالبلاد الأفريقية، وأسسها الفاطميون وجعلوهـا عـاصمة لخلافتهم سنة 308هـ -920م، واختارها الخليفة الفاطمي الأول عبيد الله المهدي، لموقعهـا الجغرافي المميز، فهي تطل على البحر من ثلاث جهـات، ما جعل منها حصنـاً منيعـاً ومركزاً تجـارياً مهـمـاً في حوض البحر الأبيض المتوسط.
نقل المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب في كتاب خلاصة تاريخ تونس "المهدية مدينة جليل قدرها، بناها عبيد الله المهدي أول خلفاء العبـيديين، وكان بداية ذلك سنة 303- 915 وجعلها دار مملكته. وبدأ بسورها الغربي بأبوابه، وأمر بحفر مرسى المدينة..
وكان حجراً صلداً، جعله حصناً لمراكبه الحربية، وأقام على المرسى سلسلة من حديد، يرفع أحد طرفيها عند دخول السفن ثم تعاد، تحصيناً له من دخول مراكب الروم، وبنى دار الصناعة، وتعتبر من عجائب الدنيا، وحفر الأهراء بداخل المدينة، وبنى الجباب والمصانع، واختزن الأهراء بالطعام، وملا الجباب بالماء.
وكان اتساع المهدية في أول بنائها من الجوف إلى القبلة قدر غلوة سهم، فاستصغرها المهدي عند ذلك، فردم من البحر مقدارها، وأدخله في المدينة فاتسعت، والجامع الأعظم الآن،والدار المعروفة في القديم بدار المحاسبات، وبنى مدينة أخرى تسمى زويلة وهي إحدى المهديتين، وجعل الأسواق والفنادق فيها، وأدار بها خنادق متسعة، تجتمع بها الأمطار..
فكانت كالربض لمدينة المهدية، وكان بخارجها الحمى المعروفة بحمى زويلة، وكان كله جنات وبساتين بسائر الثمار وأنواع الفاكهة، وقد عرفت المهديّة حياة فكريّة وفنيّة مزدهرة، لكن الفاطميّين، الذين أضعفتهم الثورات العديدة، التي قامت ضدّهم، فضّلوا الهروب من تونس، وتأسيس مدينة القاهرة سنة 973م في مصر.
خراب المهدية
وبعد خروج الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين الله إلى مصر سنة 360هـ -970م، وتـأسيس مدينة القـاهرة حكم الصنهـاجيون البربر، أفريقيا ولكن الفـاطميين قرّروا الانتقام منهم بأن أرسلوا إليهم القبائل البدوية الهلالية، التي خرّبت العمران في المهدية والقيروان، وغيرها من المدن، كما تعرضت المهديّة لهجمات النورمان من صقلية..
وفرسان مالطا، إلى حين قيام الدولة الحفصيّة سنة 1234م، والمراديّة سنة 1612م، والحسينيّة سنة 1705م، لتنعم عندها بالاستقرار. وقام العثمانيون بإعـادة إعمـار المهدية من جديد، حيث أعطوهـا طابعـاً جديداً، تحولت من خلاله إلى مدينة نـشطة، يتعـايش فيهـا المسلمون والمسيحيون واليهود، ويرتكز اقتصـادها على قطـاعات متعدّدة.
وجهة سياحية
وتعتبر المهدية حالياً من أجمل المدن التونسية، وهي مركز ولاية تحمل اسمها، معروفة بالصيد البحري والفلاحة، وإنتاج زيت الزيتون والخضار والفواكه والحرير، ووجهة سياحية تستقطب 5 في المئة من جملة الذين يزورون تونس سنوياً، ويصل عددهم إلى ستّة ملايين، وإلى جانب الفنادق الفخمة والشاطئ الجميل، تتميز المهدية بآثارها الرومانية والإسلامية وخاصة الفاطمية.
ومن آثارها الشهيرة باب زويلة أو باب الفتوح بالسقيفة الكحلاء "السوداء"، ويعود بناؤه إلى تأسيس المدينة، ويمثل البرج الرئيس للسور البري.
ويتكون من برج يبلغ ارتفاعه 18.50متراً وعرضه،12 وعمقه 12.70، وبه ممر مغطى، يؤدي مباشرة إلى الأسواق في تواصل لا يقل عن 33م، وعرض لا يتجاوز 5.10 أمتار، وكان الممر يضم 6 أبواب حديدية، قبل تحديثه، بعد هدم الأسوار من قبل الإسبان، الذين هاجموا المهدية سنة 1555م وكانت آخر التحويرات جرت على السقيفة سنة 1893.
متحف المهدية
أقيم متحف المهدية عند مدخل المدينة العتيقة في بناية من أوائل القرن العشرين، تابعة للبلدية، تم تجديدها.
ويعرض بالقسم الأول للطابق السفلي لقى تعود إلى العصور القديمة اللوبية والبونية والرومانية، في حين خصص جانب من الطابق العلوي لتراث الفترتين البيزنطية و الإسلامية..
وفي القسم الثاني يوجد بالطابق العلوي عدة مصنوعات من الخشب المنحوت والمطلي وقطع الفسيفساء والجص المنقوش والخزف والفخار من المدينة وضواحيها، وبعضها يعود إلى الدولة الفاطمية، التي أسست المهدية في القرن العاشر الميلادي، وخصصت قاعتين، الأولى للنسيج التي كانت المدينة مركزاً هاماً له، و الثانية للباس التقليدي الفاخر في جهة المهدية والجم و قصور الساف.
وهناك قاعة للكنوز والحلي تعرض قطعاً نقدية من الذهب، وأصنافاً من الحلي والمجوهرات التي تتحلى بها، حسب العرف و العادة نساء المنطقة.

