تؤكد الأبحاث والدراسات أن العالم العربي من أكثر المناطق جفافاً على وجه الأرض، والوضع يزداد تفاقماً بمرور الوقت، والتقديرات تشير إلى ان المياه ستكون أهم أسباب اندلاع الحروب والصراعات المُستقبلية في لمنطقة والعالم.

وتُرجع الدراسات السبب في تفاقم الأزمة إلى التغير المناخي الذي أحدث موجة من الجفاف في كثير من بقاع الدنيا، إلى جانب سوء إدارة المياه والإفراط في استخدامها، وتعرض مصادرها إلى الملوثات والنفايات، وزيادة الطلب على الغذاء، الذي يؤدي للاتجاه نحو تأمين المزيد من المياه..

وستنعكس الأزمة على ارتفاع أسعار الغذاء، ما يُهدد كثيرا من الدول ومنها العربية لتصبح الأكثر معاناة وعطشاً، ما يجعل التنبؤ بوقوع حروب مياه بسبب ندرة المياه العذبة في النصف الثاني وتحديداً بين 2040 وعام 2050 من القرن الحالي واردة جداً.

وتبدو الدول العربية في عين الجفاف المائي في ظل تزايد أعداد السكان وغياب التخطيط والاستنزاف العشوائي للمصادر الحالية وتفاقمم الصراعات السياسية في المنطقة التي تزيد الأزمة تعقيداً.

الأمير الحسن يطالب بقاعدة معلومات إقليمية

تتطلب التنمية المستدامة للمياه، وتوفير خدمات الصرف الصحي، ضمان أساليب معالجة حديثة لاستخدامات المياه العادمة وتكاملاً في الجهود الوطنية لأي بلد مع الإقليمية والدولية والسعي لوضع سياسات واضحة تبنى عليها خطط العمل المستقبلي. فقضايا المياه والطاقة والأمن الغذائي مرتبطة ببعضها، لذا يجب الأخذ بعين الاعتبار كل ذلك، حتى يتمكن الجميع من التصدي لقضايا النمو السكاني والاقتصادي والتغير المناخي.

«عدم توافر المياه الصالحة وخدمات الصرف الصحي للإنسان تتنافى مع مفهوم كرامته، وتحد من تمتعه بحياة صحية كريمة وقدرة على الإنتاج والتطوير».

تحد عالمي

ذلك ما أكده رئيس المجلس الاستشاري للمياه والصرف الصحي التابع للأمين العام للأمم المتحدة، الأمير الحسن بن طلال، خلال ندوة متخصصة حملت عنوان المياه تحدٍ عالمي بمشاركة جهات أردنية ودولية ذات علاقة بقضية المياه. وقال: لا بد من تكاتف الجهود على المستويين الإقليمي والعالمي، لتحقيق الأهداف الخاصة بمستقبل المياه، خصوصاً في ظل تزايد التحديات التي تنعكس على تحقيق متطلبات العيش الكريم للإنسان أينما وجد.

وأكد أهمية اللقاءات التي تمكن أطراف المعادلة المتمثلة في الشرائح الحكومية والاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني، والسعي للعمل جنباً إلى جنب لمواجهة التحديات خاصة في مسألة شح مصادر المياه والخروج ببرامج عمل واضحة. وطالب بتأسيس مجلس عربي اقتصادي يتبنى أولويات الأمة في المحافل الدولية.

أولويات

وذكر أن الوقت قد حان بالنسبة لدول الإقليم الذي يضم تونس ولبنان ومصر والعراق وإيران، تحديد أولوياتها في مجال الطاقة والمياه، والبدء في تأسيس قاعدة معلوماتية شاملة تكون منطلقاً للبحوث المائية والدراسات الاستشرافية، وكانت المجر وكينيا قد قدمتا دعماً لتعزيز عمل المجلس الاستشاري للمياه بما يمكنه من القيام بمهامه على أكمل وجه.

وينتظر أن يسهم مشروع إقامة أكاديمية للأراضي الجافة المعنية بإجراء البحوث العلمية، في مساندة عمل المجلس الاستشاري للمياه، وكان مشروع البادية قد حظي منذ بدايات تأسيسه بدعم كبير من جهات مختلفة. وكانت مبادرة رئيس وزراء اليابان الأسبق هاشميتو، بوصفه أول رئيس للمجلس الاستشاري، للتعامل مع المياه كتحد عالمي من خلال حزمة من الأهداف الإنمائية.

تعاون

الجزائر تتقاسم المخزون الجوفي مع الجوار

 

حققت التجربة المشتركة بين دول الجزائر وليبيا وتونس في تسيير واستغلال المياه الجوفية في الصحراء الشمالية نجاحا كبيرا. وقد قدرتها وزارة الموارد المائية الجزائرية، بما يعادل مليون كلم مربع..

وحصة الجزائر منها تبلغ 700 ألف كلم مربع والمساحة المتبقية تحصل تونس منها على 80 ألفا و200 ألفا لصالح ليبيا. وتقدر كمية المياه الجوفية المشتركة بين البلدان الثلاث، بـنحو 60 ألف مليار متر مكعب منها 40 ألفا موجودة بالجزائر، وتتقاسم تونس والجماهيرية الليبية الـ 20 ألف مليار المتبقية.

وكشف الخبير الاقتصادي والمستشار السابق لدى البنك العالمي، أمحمد حميدوش، أن من أبرز الإشكالات التي ستواجه العالم العربي في العقود القليلة المقبلة، مسألة الأمن المائي لأن أغلبية المصادر في العالم العربي توجد خارج المنطقة التي هي في الغالب دول غير عربية على غرار الدول الإفريقية التي ينطلق منها النيل أو تركيا فضلا عن سيطرة إسرائيل على أهم احتياطات الجولان وفلسطين ..

حيث تتم سرقة مليار متر مكعب سنويا على الأقل. فهناك حوالي 140 مليارمتر مكعب من الموارد المائية العربية يأتي من خارج المنطقة، وهي الكمية التي تضاف إلى الموارد السطحية المشتركة التي تقدر بحوالي 210 مليارات سنويا..

وتقدر المصادر السطحية المشتركة عربيا وبدول من خارج المنطقة بحوالي 175 مليارا، ما يعني أن أزيد من 80 % من مجمل الموارد المائية العربية السطحية في حاجة إلى اتفاقيات لاقتسامها سواء بطريقة بينية أو مع دول الجوار غير العربي.

مهددات خطيرة

وقال المدير العام الأسبق لمجموعة سوناطراك والمختص في علم الجيولوجيا، عبد المجيد عطار "، إن الجزائر تستغل حاليا ما يعادل1.7 مليار متر مكعب سنويا، وتستغل تونس 0.6 مليار من المياه الجوفية المشتركة مقابل 0.4 مليار م3 لصالح ليبيا. وستحتاج الجزائر لكميات إضافية من الماء في حال قررت الشروع في استغلال الغاز الصخري.

والماء في المنطقة العربية سيكون من بين اخطر التهديدات على الأمن السياسي والاقتصادي للمنطقة، في ظل مخاطر هدر المورد الحيوي في المنطقة، وعليه تنبع ضرورة تبني نماذج استغلال حديثة في الصناعة أو في الزراعة بفضل الاهتمام بتنمية الكادر البشري مع اعتماد نظام معلوماتي مائي متكامل واستخدام التكنولوجيا الحديثة..

خاصة الموارد على الحدود وتطوير البحوث العلمية ونقل التكنولوجيا وخفض التكلفة البيئية لاستخدام الماء والحد من الهدر ، والاعتماد على تقنيات حديثة في تحلية مياه البحر وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي واستخدامها في الصناعة وري المساحات المزروعة.

٨٢% من السعوديين لا يطبقون ترشيد الانفاق

 

 أظهرت دراسة لوزارة المياه والكهرباء في السعودية أن 86 %، من المواطنين لا يعلمون أن هناك شحاً في مصادر المياه بالمملكة، وأن 82 %، من السكان لا يطبقون أي إجراءات من شأنها توفير المياه، و99 % لا يعرفون كلفة تحلية المياه. ويبلغ حجم الطلب على المياه في السعودية سنويا 17 مليار متر مكعب، أي أربعة أضعاف كميات المياه التي تنتجها دول الخليج.

وأجمع مسؤولون وخبراء وباحثون سعوديون ومقيمون في مجال المياه وإدارة الموارد المائية على ان أزمة المياه في منطقة الخليج العربي تعد الأقسى عربيّا وعالميّا، لأن معظم هذه الدول في منطقة صحراوية جافة وفقيرة بمواردها المائية، وتعاني من ندرة الموارد المائية العذبة السطحية والجوفية، كما تعد نسبة المياه المتوافرة من سقوط الأمطار محدودة جدّا وغير منتظمة، وهو ما جعلها تقع تحت خط الفقر المائي.

وعالجت دول الخليج أزمة الشح بتنفيذ أكبر مشاريع تحلية للمياه في العالم، وتلك المعالجة كانت ولا تزال باهظة الثمن وتكلفتها عالية جدا وتستنزف جزءا كبيرا من العائدات النفطية الخليجية..

وكان الخبير العالمي فاروق الباز قال ان تحلية المياه من ناحية الكمية لا تصلح للزراعة، فلو روت ظمأ الناس الا انها لم ترو ظمأ الأرض، ما أدى إلى فشل خطط الأمن الغذائي بدول الخليج التي كانت ترمي إلى توفير سلة الغذاء للمجتمع الخليجي في أي وقت وبأقل الأسعار الممكنة.

وقال الخبير الاقتصادي والباحث في قضايا المياه الدكتور عبد الله بن فهد المغلوث ان الأمن المائي أصبح جزءا لا يتجزأ من الأمن العالمي والأمن الإقليمي، وأصبح متغير المياه احدى أهم ركائز الأمن الوطني للدول..

وبخاصة تلك التي تعاني أصلا من محدودية أو ندرة الموارد المائية، مشيرا إلى ان السنوات الأخيرة شهدت تحذير العديد من الهيئات والمنظمات الدولية والمتخصصة من مخاطر اندلاع ما اصطلح على تسميته «حروب المياه» لاسيما في مناطق الندرة المائية.

وتشير بعض التقديرات إلى احتمالات نشوب حوالي 200 نزاع في شتى أنحاء المعمورة حول المياه في العقد المقبل، وهناك حوالي 11 منطقة في العالم تشكل خلافا قد يتحول الى نزاع مسلح للسيطرة على المياه ومصادرها، وتحتل منطقة الشرق الأوسط صدارة هذه المناطق.

وقد تتطور إلى صراعات مسلحة وأكثر من نصف الدول العربية، وبخاصة في الخليج، تعاني ندرة مائية، اذ تتراوح حصة الفرد فيها من الموارد المتجددة بين 35 و550 مترا مكعبا سنويا.

وأغلب دول العالم تتلقى أكثر من 50 % من مياهها من خارج حدودها أي من دول أخرى كما ان أكثر الأنهار الكبرى والآبار الجوفية يتم تقاسمها من قبل أكثر من دولة، مشيرا الى ان النزاعات ستزداد حدة بسبب نقص المياه الذي يمكن أن يطال ثلثي السكان في العالم في المستقبل.

مواجهة التحديات

وأكد الخبير المائي السعودي الدكتور منيف بن عبد الرحمن الشمري ضرورة تبنّي مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية استراتيجية متكاملة حول الأمن المائي المرتبط بالأمن الغذائي لمواجهة التحديات المستقبلية مبيناً أنه يمكن زيادة الرسوم على استخدام المياه..

حيث إن ارتفاع الأسعار يمكن أن يكون فعالاً في تعزيز استخدام موارد المياه القائمة بشكل أكثر حصافة وفعالية، محذرا من ان حروب المستقبل ستكون بسبب الصراع حول الموارد المائية التي أصبحت توصف بـ«النفط الأبيض». والأزمة بدأت بالفعل عندما أعلنت إثيوبيا عن تحويلها لمجرى النيل الأزرق أحد فرعي نهر النيل الذي يمد مصر بنحو 60٪ من حصتها السنوية من مياه النيل..

والتي تبلغ 55 مليار متر مكعب والذي يعد تدشينًا لإنشاء ما أسموه "سد الألفية الكبير" او سد النهضة الذي سيمهد لأكبر مشروع لتوليد الكهرباء في القارة الإفريقية، مشيرا الى ان هذا الموضوع أدى الى موجة من التصريحات التي تتأرجح بين التهويل الذي وصل إلى حد التهديد بتوجيه ضربة عسكرية لإثيوبيا والتهوين الذي تبناه البعض هنا وهناك، غير ان حكومتي البلدين هدأتا الأمر.

واعتبر الكاتب والباحث السعودي الدكتور أمين ساعاتي أن إسرائيل أصبحت تستحوذ بالقوة على النصيب الأكبر من المياه العربية المتدفقة من نهر الأردن ونهر الليطاني وبحيرة طبرية، وان العرب بسبب تمسكهم بسراب خيار السلام صرفوا النظر عن بناء قواتهم المسلحة طوال أكثر من 30 عاماً.

وإزاء ذلك التفوق بات العرب يقبلون مرغمين بالوضع الحالي لأزمة المياه، والتي يتوقع ان تدخل عاجلاً أو آجلا مرحلة تستحيل معها الحياة دون ماء، وعندئذ تكون الحرب بين الطرفين على المياه خيارا لا مفر منه.

وسوريا والعراق تتأذيان من مجموعة السدود التي أنشأتها تركيا للتحكم في تدفق مياه دجلة والفرات، وطبعاً يعد الانخفاض في تدفق المياه إلى نهري دجلة والفرات تهديداً مباشراً للحياة في سورية والعراق، ولكنه أشار الى أن الحكومة التركية بزعامة حزب العدالة الإسلامي نجحت في بناء علاقات ودية حميمة مع كل الأقطار العربية، ما مكن هذه الدول من التوصل إلى الحد الأدنى من الاتفاق مع تركيا.

أطماع إ

سرائيل تؤجج خلافات دول منبع النيل ومصبه

 

عند الحديث عن حوض النيل يتبادر إلى أذهان أهل السودان ومصر الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل، والأحلام التاريخية للدولة العبرية بإقامة كيانهم من الفرات إلى النيل..

ورغم الاختلاف حول مياه النيل بين دول المنبع والمصب، إلا أن أصابع الاتهام ظلت مصوبة تجاه إسرائيل لدعمها الظاهر والمستتر لموقف دول المنبع، غير أن خبراء يقولون إن التوافق بين دول الحوض هو الذي يسد ثغرات التدخل الدولي في القضية.

«حرب المياه»

ويشير خبير المياه السوداني الدكتور أحمد المفتي إلى أن ظهور مصطلح «حرب المياه»، جاء بعد أن تبين للدول أن كمية المياه العذبة في الكرة الأرضية باتت محدودة بينما سكان الأرض في ازدياد..

وتفادياً للصراع والتنازع حول مصادر موارد المياه تمت مبادرتان، واحدة على المستوى الدولي والأخرى على النطاق الإقليمي «مبادرة حوض النيل»، فالمبادرة الدولية كانت قبل نحو 40 عاماً..

وترتكز على كيفية التوافق في القضية وهي التي قادت إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه سنة 1997 وطرحت أفكاراً لتفادي حرب المياه المستقبلية، بينما مبادرة حوض النيل نبهت من دولها وقادت إلى اتفاقية عنتيبي أخيراً، ورغم وجود بعض نقاط الاختلاف، إلا أنها يمكن أن تقود إلى توافق حول استخدامات مياه النيل.

تحد

ويمثل الاختلاف بين دول المنبع والمصب لحوض النيل تحدياً ما لم يتم التوصل إلى توافقات بين الدول جميعها حول استخدامات المياه واستغلالها..

وأوضح المفتي أن قضية سد النهضة الذي شرعت إثيوبيا في إنشائه تمثل شكلاً من أشكال صراع المياه على حوض النيل يمكن أن يقود إلى صراع أعنف مستقبلاً، خاصة وأن الكثافة السكانية بالمنطقة في حالة زيادة مستمرة وكميات مياه الحوض محدودة ما لم تتوافق الدول الثلاث «مصر، السودان، وإثيوبيا» حول المياه التي يحتجزها السد، والتي تفوق 70 مليار متر مكعب، والاتفاق حول التشغيل والاستخدام نزعاً لفتيل المشاكل التي يمكن أن تحدثها القضية.

ولم يستبعد مسؤول بوزارة الري السودانية في تصريح لـ(البيان) الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل، غير أنه شدد على التوافق بين دول الحوض ودخول دولتي المصب مصر والسودان في حوار فاعل وموضوعي يقوم على الاستفادة المتبادلة من مورد المياه، ليسد كل المنافذ ويقطع الطريق أمام أي تدخل من جانب الكيان الصهيوني أو الدول الكبرى ذات المصالح في المنطقة،..

والتي بحسب المسؤول السوداني الذي تحفظ عن ذكر اسمها كثيراً، ما لم تسع لاستغلال صلاتها مع دول المنبع لتعميق الخلاف مع دولتي المصب مصر والسودان.