تؤكد الأبحاث والدراسات أن العالم العربي من أكثر المناطق جفافاً على وجه الأرض، والوضع يزداد تفاقماً بمرور الوقت، والتقديرات تشير إلى ان المياه ستكون أهم أسباب اندلاع الحروب والصراعات المُستقبلية في لمنطقة والعالم. وتُرجع الدراسات السبب في تفاقم الأزمة إلى التغير المناخي الذي أحدث موجة من الجفاف في كثير من بقاع الدنيا، إلى جانب سوء إدارة المياه والإفراط في استخدامها..
وتعرض مصادرها إلى الملوثات والنفايات، وزيادة الطلب على الغذاء، الذي يؤدي للاتجاه نحو تأمين المزيد من المياه، وستنعكس الأزمة على ارتفاع أسعار الغذاء، ما يُهدد كثيرا من الدول ومنها العربية لتصبح الأكثر معاناة وعطشاً، ما يجعل التنبؤ بوقوع حروب مياه بسبب ندرة المياه العذبة في النصف الثاني وتحديداً بين 2040 وعام 2050 من القرن الحالي واردة جداً.
وتبدو الدول العربية في عين الجفاف المائي في ظل تزايد أعداد السكان وغياب التخطيط والاستنزاف العشوائي للمصادر الحالية وتفاقمم الصراعات السياسية في المنطقة التي تزيد الأزمة تعقيداً.
خطر
مدن تونسية مهددة بالظمأ في 2020

طلبت تونس من اليابان مساعدتها عبر الاستثمار في مجال تحلية مياه البحر، وخاصة هي من الدول المهددة بالعطش، رغم أنها اعتمدت خطة ناجعة في بناء السدود المائية، التي كان لها دور كبير في الحفاظ على التوازن المائي، وتعتبر السدود من أهم ما أنجزته الدولة الحديثة، منذ استقلالها، غير أن التوسع العمراني والديموغرافي والتطور الزراعي والصناعي والسياحي، وضعف وعي المواطن، إضافة إلى حالات الجفاف..
وشح الأمطار في مواسم متلاحقة، تسبب في هدر نسبة مهمة من الثروة المائية. وشهدت البلاد نمواً في الاستهلاك بلغ3.5 في المئة سنوياً، ووصل العام الماضي 12.5 في المئة، في الوقت الذي شهدت نقصاً بالمنظومة المائية، بنحو 300 لتر في الثانية..
وتم ضبط الأشغال ما أدى لتوفير الكمية، وركز على شمالي البلاد من خلال التوسيع في الخزانات التي أصبحت تستوعب 1700 لتر من الماء، عوضاً عن 1400، كما تم حفر 17 بئراً في كل من ولايات، صفاقس وسيدي بوزيد، وينتظر أن توفر 180 لتراً في الثانية.
وأوضح مدير عام الشركة الوطنيّة لاستغلال وتوزيع المياه الهادي بلحاج أن تونس التي تحتكم على 4.7 مليارات متر مكعّب، تعدّ من أكثر البلدان تواضعاً في نسبة امتلاك المياه، ما يستوجب بالضرورة ترشيد الكميّات المستهلكة، ودعم جهود الشركة التي تشهد عجزاً في ميزانيتها، يبلغ 86 مليون دينار، ومستحقاتها لدى عملائها، تقدّر بقيمة 215 مليون دينار.
وهي تنتج 550 مليون متر مكعب من الماء الصالح للشراب سنويّاً لنحو 2.5 مليون مشترك، وتغطي نسبة 100 في المئة في تزويد المناطق الحضريّة، و95 للريفيّة، وتمتدّ شبكتها على طول 50 ألف كلم، وتمتلك 4 آلاف منشأة، تتمثل في خزانات ومحطّات ضخ وآبار عميقة، و16 محطة لمعالجة المياه و5 للتحلية..
وتعتمد على منظومتين الأولى بمنطقة غدير القلة ووتزود 7 ملايين ساكن يوميّاً، ما يزيد على 75 في المئة من الكميّات الإجماليّة لمياه الاستهلاك،والمنظومة الثانية تشهد حاليّاً إنجاز مشاريع استعجاليّة لعامي 2013-2014.
وكشفت دراسة حديثة لشركة توزيع المياه أن مدناً عدة، منها ساحلية مثل الحمامات ونابل وسوسة والمنستير والمهدية،ستكون مهددة بالعطش التام في عام 2020، إضافة إلى أخرى داخلية، مثل القيروان وسيدي بوزيد وصفاقس ستعاني عجزاً فادحاً في تلبية الطلب المتزايد على الماء الصالح للشرب، ما لم يتم تدعيم الموارد الحالية وتأمينها..
واقترحت الدراسة تزويدها بمياه آتية من مناطق الشمال المعروفة بخصوبتها وغزارة مياهها، التي يمر عبرها وادي مجردة المنحدر من جبال الجزائر،واستغلال الموارد المائية الجوفية، وضرورة إنشاء محطة لتحلية مياه البحر في صفاقس. و من مؤشرات الأزمة حالياً أن معدل الموارد المائية للفرد الواحد حسب الأمم المتحدة تقدر بـ 500 متر مكعب في السنة، وفي تونس تقدر موارد الفرد بـ 480 متراً سنوياً.
وأشار المدير العام السابق للموارد المائية بوزارة الفلاحة المكي حمزة إلى أن طاقة الموارد المائية بتونس، تبلغ نحو 860.4 مليون متر مكعب في السنة، منها 2700 مليون سطحية، و2160 مليون جوفية..
وتبلغ الموارد القابلة للتعبئة 4660 مليوناً، وباعتماد كثافة سكانية تساوي 10 ملايين ساكن، فحصة الفرد تبلغ 480 سنوياً أي تحت خط الفقر المائي المقدرة بـ1000 في السنة، ورغم قلة الموارد وبفضل نباهة السياسات المائية والتحكم في الاستخدام والتصرف لم تشهد البلاد ندرة أو تقسيطاً في توزيع المياه رغم حدة الجفاف في بعض السنوات.
المياه الجوفية
وتقدر الموارد المائية الجوفية في تونس بنحو 2165 مليون متر مكعب في العام، تتوزع حسب العمق على الخزانات المائية الجوفية قليلة العمق، أي أقل من خمسين متراً وتحتوي على موارد مائية جوفية، تقدر بنحو 745 مليون متر مكعب سنوياً، وعلى الخزانات المائية الجوفية العميقة ..
وهي التي يفوق عمقها 50 متراً، وتحتوي على موارد مائية، تقدر بنحو 1420 مليون متر مكعب في السنة، منها 770 مليون متر مكعب في السنة موارد مائية متجددة، تتوزع على مناطق الشمال والوسط و650 مليون متر مكعب في السنة موارد غير متجددة، توجد بالخزانات المائية بالجنوب. ويجري استغلال المياه الجوفية بواسطة 138 ألف بئر تقليدية، منها 95 ألفا مجهزة بمضخات، وبواسطة 5000 بئر عميقة، و94 عيناً جارية.
وبلغ الاستغلال الجملي للخزانات المائية الجوفية في العام 2005 حوالي 1955 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 91 في المئة من جملة الموارد المتاحة. ونتيجة للتطور الاقتصادي والاجتماعي، ارتفع حجم استغلال الموارد المائية الجوفية من 909 مليون متر مكعب سنة 1980 إلى 1955 مليون متر مكعب سنة 2005، وبذلك يكون الاستغلال قد تطور بنسبة 215 في المئة في ظرف 25 سنة.
وتتميز المياه الجوفية بنوعية كيميائية متوسطة إذ إن 48 في المئة من الموارد ذات ملوحة، تتراوح بين غرام ونصف في اللتر، وثلاثة غرامات في اللتر، ونسبة المياه المالحة مرتفعة نسبياً إذ إن 30 في المئة من الموارد، تفوق درجة ملوحتها ثلاثة غرامات في اللتر.
تحلية البحر
اتجهت تونس إلى تحلية مياه البحر لتجاوز مخاطر العطش، فأنشأت محطة في جزيرة جربة عام 2010، تقدر بكلفة لمنظومتيها 100 مليون دولار، وبطاقة 50 ألف متر مكعب، ومحطة للتحلية ببن قردان بالطاقة الشمسية لتزويد قرابة 85 ألف ساكن. وانطلق مشروع بناء محطة لتحلية مياه البحر بصفاقس بكلفة 200مليون دولار .
وهو مشروع يهدف لتأمين التزود بمياه الشرب وتحسين نوعيتها بالولاية، وطاقة إنتاجه تبلغ 200 ألف متر مكعب في اليوم وستنجز على مرحلتين بسعة 100 ألف متر مكعب في اليوم لكل مرحلة، ويرمي بعث محطات التحلية بولايات الجنوب الشرقي إلى تلبية حاجيات المناطق العمرانية والسياحية بجربة وجرجيس وقابس وقرقنة من المياه الصالحة للشراب.
الكويت ثاني دولة في العالم فقراً للمياه العذبة

لا شك أن الماء عنصر رئيسي من عناصر الحياة، ولا غنى عنه للكائنات الحية، بل ويُشكّل أهمية كبرى لجميع دول العالم خاصة التي تقع في المناطق الصحراوية ولا تتوافر فيها مصادر للمياه العذبة الطبيعية، ودول الخليج ومنها الكويت تعيش مع هاجس أزمة مياه الشرب باستمرار.
ورغم المحاولات العديدة التي شرعت فيها الدولة منذ أكثر من ثلاثين عاماً للاستفادة من المياه العذبة الطبيعية لقربها من مياه شط العرب الذي يبعد بضع كيلومترات، إلا إن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل نتيجة الحروب التي مرت بالمنطقة، وعدم الاستقرار السياسي والأمني.
وتؤكد عضو الجمعية الكويتية لحماية البيئة الدكتورة فوزية الرويح في دراسة علمية لها أن الكويت ثاني دول العالم فقراً في المياه الطبيعية وأن والمياه من القضايا المحورية العالمية، لمحدودية المصادر المائية خصوصاً مع ازدياد النمو السكاني والتطور العمراني ولتلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية والزراعية.
وتعتبر الكويت من الدول الفقيرة مائياً وتعد ثاني دولة في العالم افتقاراً للمياه الطبيعية من الأمطار والمياه الجوفية لأن معدل الأمطار لا يتعدى 115 ملم في السنة وهي نسبة لا يعتد بها للاستخدام أو التنمية، مشيرة إلى أن قضية الاستهلاك مصيرية ويجب أن تتكاتف كل جهود المجتمع ومؤسساته للعمل على ترشيد الاستهلاك..
حيث إن القضية الأساسية ليست في الاستهلاك بل في أنماطه وآثاره. وتواجه الكويت التي تعتمد على محطات التحلية التي توفر المياه العذبة، معدلات استهلاك عالية منذ فترة طويلة ما يضعها بين أكبر مستهلكي المياه في العالم من جهة، ويضع السلطة أمام مسؤولية توفير هذا المصدر الحيوي لديمومة الحياة.
وأدى ارتفاع التكاليف الرأسمالية والتشغيلية لمحطات التحلية الموزعة في مختلف المناطق إلى ارتفاع تكلفة إنتاج المياه بواسطة تقنيات التحلية، وبحسب دراسة معهد الكويت للأبحاث العلمية، فإن التنبؤ باحتياجات القطاعات المختلفة من المياه، خاصة المناطق المأهولة يُعد أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد، نتيجة لتشابك العلاقات بين العوامل التي تؤثر في الطلب على المياه سواء من الجانب البشري، أو الصناعي والزراعي.
وأكد الوكيل المساعد لقطاع تشغيل وصيانة المياه في وزارة الكهرباء والماء محمد بوشهري، كامل الجهوزية لمواجهة الطلب المتزايد على استهلاك المياه في الكويت، وقد تم إنشاء قسم خاص يُعنى بمراقبة جودة العمل ومتابعة شكاوى المستهلكين للتأكد من حل مشاكلهم المتعلقة بوصول المياه إلى منازلهم، وطمأن المستهلكين باستقرار وضع الشبكة المائية..
وخلال الفترة الحالية تفوق إنتاج المياه على معدلات الاستهلاك، حيث وصل متوسط الإنتاج 420 مليون غالون في حين لم يتجاوز الاستهلاك 405 ملايين غالون، والمخزون الاستراتيجي بلغ حتى نهاية الشهر الفائت 3447 مليون غالون ما يُعد مؤشراً جيداً.
وتقابل تلك التطمينات الحكومية تقارير استراتيجية عالمية، تشير لاحتمال نشوب صراع مستقبلي على المياه، وشكّلت التقارير بشأن الصراع على المياه هاجساً آخر بالنسبة لحكومات دول الخليج العربي، إذ تشير أغلب التقارير إلى أن الدول ذات المصالح الخاصة تسعى إلى خلق صراع على المياه في منطقة الشرق الأوسط، خاصة والخبراء يقولون: إن العالم سيشهد في القرن الحادي والعشرين صراعاً حاداً على المياه يشبه إلى حد كبير الصراع على النفط!.
استهلاك
قطر.. أطول برامج التحلية الشرق أوسطية

تسعى قطر لتصبح إحدى أكثر الدول استهلاكاً لمياه البحر المحلاة عالميا ومقر أطول برامج التحلية بالشرق الأوسط لمواجهة الطلب المتزايد مع ارتفاع نسبة السكان في المدن والمناطق الحضرية. وتبلغ طاقة الإنتاج اليومي من مياه البحر المحلاة إلى 324 مليون جالون.
وفي الوقت نفسه تعاني الدولة من تقلص نسبة المياه العذبة من 15% من مساحة البلاد عام 1971 الى 2% تقريبا، استناداً لمخرجات مشروع دراسة التغذية الطبيعية والاصطناعية لمخزون المياه الجوفية عام 2010.
وبين رئيس قسم البحوث المائية بوزارة البيئة القطرية، المهندس عبدالعزيز علي عجلان المريخي في ورقة عمل اعدها حول واقع المياه الجوفية، أن القطاع الزراعي المستهلك الرئيسي لها حيث يستأثر بـ 90% من التي يتم ضخها عبر الحوض الشمالي الذي يعتبر المخزون الاستراتيجي للمياه بالدولة.
وتواجه مناطق المياه العذبة والمياه قليلة الملوحة الملائمة تدنيا، فالمياه التي ملوحتها من1500 إلى 3500جزء بالمليون صالحة للريّ، والتي تزيد فيها على 3500 جزء بالمليون تعتبر غير صالحة للريّ. وتمثل الأمطار أحد أبرز مصادر المياه في قطر، حيث يتم رصد هذا العنصر في 28 محطة أمطار قياسية وتسجيلية موزعة على المناطق الجغرافية في شمال ووسط وجنوب الدولة، وهي تتساقط بين أكتوبر ومايو، وتتركز بالمناطق الشمالية فتغذي الأحواض الجوفية.
ويتمركز التوزيع الحالي للمياه العذبة وقليلة الملوحة والمالحة في مناطق الشمال والوسط، وتقلص حجم المناطق التي تحتوي على المياه العذبة، وتمثل المناطق ذات المياه العذبة حاليا11 % تقريبا مقارنة بعام 1971.
والأرقام تعكس مدى الاضمحلال الكمي والنوعي للمياه الجوفية، رغم أن المياه الجوفية المنعزلة عن البحر تعتبر ذات جودة عالية، فإنها تواجه عدة عوامل قد تؤثر عليها ومنها إمكانية وصول مياه البحر من المناطق المجاورة له وتصاعدها من الطبقات السفلى وتأثير الأسمدة المستخدمة في المزارع. ويبلغ عدد الآبار في قطر نحو 8509 آبار وتم توزيعها وفق الاستخدام ومعظمها يقع ضمن المزارع.
وتتعبر غالبيتها نشطة ويتم ضخ المياه منها، حيث يقدر عددها بـ4205 آبار وتشكل نسبة 49.4 % والآبار غير النشطة تقدر بـ2625 بئرا بنسبة 30.8 %، والملغاة 808 آبار بنسبة 9.5 %، والجافة 534 بئرا بنسبة 6.3 %، وآبار التغذية الطبيعية عددها 313 بئرا 3.7 % ، والآبار العميقة 24 بئرا.
منطقة جافة
وقطر تقع كسائر دول الخليج العربية في المنطقة الجافة من العالم بحسب المريخي، وتبلغ مساحتها الكلية 11606.8 كيلومترات مربعة تقريبا، ولا يوجد بها أي مصدر للمياه السطحية.
وتعتبر المياه الجوفية المختزنة في باطن الأرض على مر السنين والمغذاة بمياه الأمطار الشحيحة، المصدر التقليدي الوحيد للمياه، والمحافظة على المخزون الجوفي يحقق الحد الأدنى من الأمان المائي للدولة ويساهم في خطط التنمية، وتتباين معدلات مجموع سقوط الأمطار من سنة لأخرى.
وتعد تحلية مياه البحر بمثابة "المورد الثاني للمياه" لتعويض المستويات المستنفذة من المياه الجوفية. والأمر يضع قطر في حالة من "وفرة مياه يتم الحصول عليها بطريقة هيكلية" حيث توجد ندرة في المورد الأول ووفرة في الثاني.
ويخطط برنامج قطر الوطني للأمن الغذائي للاستفادة من أحدث تقنيات التناضح العكسي، وكذلك الاستفادة من تقنيات التحلية باستخدام الطاقة الشمسية من أجل سد معظم احتياجات البرنامج الوطني للأمن الغذائي من مياه الزراعة.
