يعاني اليمن من فقر مائي يهدد مستقبل حياة سكانه وينذر باضطرابات اجتماعية ونشوب صراعات وحروب على مصادر المياه الشحيحة والسبب يتمثل في وجود فجوة كبيرة بين الاستخدام للكثافة السكانية العالية ومحدودية الموارد إلى جانب عدم فاعلية السياسات والمعالجات.
ويُشخّص الخبير في شؤون البيئة الدكتور فؤاد قاسم القدسي، في انتشار العديد من الأحواض المائية الجوفية إلا إنها تعاني من استنزاف مفرط ومن اختلال الموازنة المائية بين ما يسحب من باطنها وما يضاف إلى باطنها عبر الخزان الجوفي لغياب الترشيد في الاستخدام وطول مدة الجفاف.
والمعلومات المتوافرة ضئيلة بالمقارنة بمساحات الأحواض المائية الواسعة، وتركزت الدراسات في بعض المواقع المحددة حسب الموارد ومتطلبات خطط التنمية والحياة والاحتياج المرحلي.
والأحواض تتوزع في منطقتين هما منطقة الدرع العربي الناتجة من التشكلات الجبلية في السهول العالية، حيث توجد خزانات للترسيب المنتشرة بمناطق القيعان وساعد على وجودها النتؤات والشقوق المنتشرة في الإقليم وهي تتغذى من مياه الأمطار والسيول التي تجري في الأودية.
والمنطقة الثانية توجد فيها المياه الجوفية بمنطقة الرف العربي على السواحل والمياه ضمن طبقات عميقة تعود إلى عصور جيولوجية قديمة وهي مياه غير متجددة ولها امتداد واسع يحتوي على كميات كبيرة ومنها حوض المكلا ذو الحجر الرملي يحتوي على مليارات المترات المكعبة منها فقط 15 مليون متر مكعب من المياه المتجددة سنوياً. أما الباقي غير المتجددة فيجري استنزافه وذلك خلل في الموازنة المائية.
وتبلغ حصة الفرد من المياه 125 متراً مكعباً في السنة فقط، وتُمثّل 10 % من نصيب الفرد بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، البالغ 1250 متراً مكعباً، و2 بالمئة من المتوسط العالمي والبالغ 7500 متر مكعب. والنسبة مرشحة للتناقص بسبب استنزاف المخزون المائي المقدر بنسبة 150 % إلى نسبة تجدده، وبسبب النمو السكاني المقدر حالياً بحوالي 25 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يتجاوز في عام 2050 نحو 50 مليون نسمة.
صعوبات وقصور
ورغم العديد من السياسات لمعالجتها، فهناك صعوبات وقصور حسب ما يوضح الخبير المائي والبيئي لدى «الإيفاد» الدكتور خليل المقطري.
فالسياسات وضعت بداية التسعينات وتم تحديثها وتنقيحها في أواخرها ومع مطلع الألفية الثانية، وأصبحت قديمة وتتمثل الاختلالات في الآتي: ترتيب المشكلات والمعالجات غير موضوعي، حيث لا ينطلق من استراتيجية تهيئة أراضي مساقط المياه التي تعد حجر الأساس في تنمية الموارد، وعدم ارتكازها على مبادئ علمية وبحثية، وهي وإن كانت شاملة إلا إنها غير متسقة شكلاً ومضموناً، ثم ضعف التمويل المحلي الموجه للتشغيل والاستثمار في مشاريع ترجمة السياسة المائية والاعتماد في التمويل على الدعم الخارجي.
وعن تطبيقها على الرغم مما تنطوي عليه من قصور نجدها مثل السياسات الأخرى مجرد حبر على ورق ولا ترتبط بما يتم تنفيذه على أرض الواقع وهناك عدة أسباب أهمها: ربط عملية التنمية في المجالات كافة بالعوامل السياسية والبيروقراطية في الإدارة العامة للدولة، عدم اسناد تنفيذها للأطر التخصصية وإقصائها وتهميشها، تضارب وتداخل المواضيع والاختصاصات تبعاً لتعدد الجهات المعنية بالمياه وغياب جهاز تنسيقي أعلى يؤطر الجهات المعنية كافة بتنفيذ السياسة المائية كلاً حسب اختصاصاته، الظروف السياسية منذ عام 1994، وعدم الاستغلال الأمثل لما هو متوفر من للخبراء والاخصائيين الوطنين الناجم عن غياب إدارة عامة للموارد البشرية في البلاد.
والحلول التي جاءت بها السياسة، علاجية وليست وقائية تعالج بعض مظاهر نتائج المشكلات أو جزءاً منها وليس أسبابها وبالتالي فإن إنتاج المشكلات يبقى قائماً ومستمراً وتصبح المعالجات مهدئة تحد مؤقتاً من تفاقم المشكلة لكنها لا تحلها جذرياً.
3محاور
والمطلوب بحسب المقطري إجراءات تعيد صياغة السياسات في ثلاثة محاور، الأول: إدارة وتدبير وتنمية الموارد المائية على نحو يضمن نمواً تصاعدياً متوازناً لكميات المردود السنوي، تصنيفاً خرائطياً هيدرولوجياً شاملاً للتراب الوطني "وحدة هيدرولوجية، أحواضاً كبرى، مستجمعات مائية ، مساقط مائية، دراسة لأسباب تدهور الموارد الطبيعية ضمن الوحدات الهيدرولوجية، ودراسة خرائطية تصنيفية للمواقع المناسبة لمشاريع المياه باختلاف أنواعها.
المحور الثاني، ينظم عمليات إدارة استغلال الموارد المائية على نحو شمولي تخصصي تشاركي بعيد عن التقسيمات الإدارية والسياسية. والثالث يقود لترشيد استخدام المياه بطرق حديثة وتشاركية مع المستخدمين تضمن ديمومة الموارد بكميات وجودة مناسبتبن وتدفق مستمر.
وتأسيس مركز وطني للمياه والموارد الطبيعية يتولى البحث العلمي إلى جانب الإشراف والتنسيق لتبني وتنفيذ السياسات للموارد المائية والموارد الأخرى ومتابعة الالتزام ببنود هذه السياسات.

