«علمنا آباؤنا أن السعادة الخالصة تكمن في الرضا، وها نحن راضون، حامدون الله وشاكرون.. صحيح أننا نجد بالكاد ما يسد رمقنا، إلا أننا يجب أن نرضى؛ فلا سبيل أمامنا سوى الرضا بالأمر الواقع، كل ما نحتاجه نظرة من راسمي السياسات العليا للبلد، مراعة ظروفنا وشمولنا بعطفهم».. إنه لسان حال مواطن مصري فقير، طحنته الدنيا في رحاها، ودفعت به إلى قاع المدينة ، في ظل وعودٍ حكومية مُتكررة منذ سنوات طويلة، بأن تُحل إشكالية الفقر والفقراء، وألا يبيت أحدهم ليلته جائعاً، إلا أن الحكومات متخمة ومترهلة والمواطن يعيش على الكفاف!.
الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بمصر، تقول إن آخر نسبة للفقر في العامين والحالي بلغت 25 % ، وأن 50 % من سُكان "الريف" يعيشون على الحد الأدنى. و4 % منهم يعانون فقراً غذائياً، وهي مؤشرات خطيرة جداً لوطنٍ بالكاد يُسيّر أموره، في ظل تطورات سياسية مربكة ومرتبكة، وحكومة متخمة بمشاكلها.. وما يُعمق من حجم الهوة، تقرير آخر لـ"كريديه سويس"، لفت إلى أن 97 مصرياً لديهم ثروات تفوق الـ100 مليون دولار.. ونحو 6 آخرين ثرواتهم تفوق المليار دولار.
أين العدالة الاجتماعية؟ سؤال أطلقه الحاج محمود لطفي "62 عاماً" وهو ساخط على أداء الدولة، قائلًا: رفع الشباب في ثورة 25 يناير شعارات عديدة كان أبرزها العدالة الاجتماعية، الذي لخص حجم المعاناة في مصر، فلو تحققت هذه الكلمة السحرية، لتم حل كل الإشكاليات التي تواجه الوطن بشكلٍ عام، وعلى الحكومة الحالية لو أرادت أن تكسب تأييد الشارع، أن تقوم من جانبها باتخاذ قرارات ثورية عاجلة، بتطبيق العدالة على المستويات كافة، فلا يُمكن أبداً أن يظل ذلك الوضع على ما هو عليه، فالفقير يزداد فقراً والغني يزداد غنى، والمُجتمع وحده الخاسر.
وترى هُدى عادل "45 عاماً" أن الأزمة قديمة وهي مرتبطة بثقافة الشعب نفسه الذي اعتاد ذلك المشهد، ولا يُمكن أن تقوم الحكومة الحالية بين يوم وليلة بحل المشكلة التي فشلت عشرات الحكومات في حلها، ويجب أن تكون هناك خُطة مدروسة بعناية، من أجل حل تلك المشاكل العصيبة عبر جدولٍ زمني واضح، خاصة أن الظروف الحالية صعبة للغاية، ومشكلة الفقر تعود إلى حقبة السبعينات، حيث سياسة الانفتاح الاقتصادي التي اتبعها نظام الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والتي فتحت الباب على مصراعيه أمام الاقتصاد الأسود.
فوارق الثروات
وحذّر أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر الدكتور محمد المهدي، من تبعات ما سمّاه بـ"فوارق الثروات بين المواطنين"، فهي قد تكون أحد أبرز الأسباب التي تدفع بعض الفقراء إلى "الانتحار".. بينما حدد آخرون تأثيرات سلبية وخيمة يُمنى بها المجتمع من منطلق زيادة نسب الفقر، منها زيادة معدلات الجريمة، وارتفاع نسب التسول والمتسولين، والفقر يخلق جيلًا ناقماً على المجتمع، ولديه حالة من السخط على كل شيء.
وبحسب أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف الدكتور صبري عبد الرؤوف، فإن هناك العديد من الأدوات الإسلامية الهامة التي من الممكن أن يتم من خلالها مواجهة الفقر وتزايد نسبه، ومن أبرز تلك الآليات هو "التكافل" كحلٍ أمثل في مواجهة الإشكاليات المُتعلقة بالفقر كافة، وهو أمر نادى به الدين الإسلامي الحنيف، ويعتبر من أهم وأبرز الآليات التي يمكن من خلالها مواجهة الفقر والقضاء عليه، بالإضافة إلى الزكاة والوقف باعتبارهما من الأسس المهمة جداً لمواجهة ظاهرة الفقر.
مبادرة تضامن
تبذل بعض منظمات المجتمع المدني ومؤسسات رسمية جهوداً حثيثة لحل مشكلة الفقر، ومنها المُبادرة التي أعلن عنها المنسق العام للمصريين في الخارج ورئيس مؤسسة "مصر الأمل" الدكتور محمد الجمل، والتي تضمنت تدشين حركة تحمل اسم "تضامن" بقصد مساعدة الفقراء، عبر توفير العلاج لمن لا يستطيع، وتزويج الفتيات وغير ذلك؛ لتنضم إلى سلسلة المبادرات والجمعيات الهادفة نحو التكافل.





