لا يزال المجتمع الفلسطيني أسير العادات والتقاليد التي تشجع زواج الأقارب، رغم ما يلفه من سلبيات وعلل مرضية ونفسية، وأمراض وراثية مثبتة علمياً، يورثها الزوجان السعيدان أو التعيسان لأولادهما أجيال المستقبل الذين لا ذنب لهم في عيش حياة الإعاقة نتيجة سقوط قرار الزواج رهينة العادات والتقاليد التي تختار للشاب ابنة عمه أو بنت خالته.
وتجبر الفتاة على ابن العائلة وترفض زيجتها «بغريب»، بينما ساهم ارتفاع نسبة التعليم في فلسطين في التقليل من نسبة الظاهرة من جهة والسياسات التي تتبعها المحاكم الشرعية في التقليل من عوارضها السلبية، لاسيما المرض من جهة أخرى.
وقديماً كانت الأسر محلياً تصر على تزويج الفتاة داخل العائلة نفسها خوفاً على الأرض باعتبارها مصدر الرزق الوحيد، من الضياع لصالح الزوج «الغريب» حسب اعتقادهم، ومع انحسار هذا الخوف تدريجياً اختلف السبب وبقيت الظاهرة على حالها، فالشعب الفلسطيني الذي يعيش ظروفاً صعبة .
وتقلبات اقتصادية مختلفة وفوضى مجتمعية وطبقية ناتجة عن حالة الاحتلال اتخذ لنفسه قاعدة جديدة قديمة يعبر عنها المثل الفلسطيني «خذ بنت عمك بتشيل همك»، اعتقاداً من العائلات أن الزوجة من أصل القرابة ستقف إلى جانب زوجها في المحن والشدائد الكثيرة التي يواجهها البيت الفلسطيني أكثر من الزوجة من غير الأقارب، والتي قد لا تقوى على تحمل مصائب العيش ومنغصاته في بيئة فلسطينية معرضة للخطر الدائم سياساً واقتصادياً واجتماعياً.
وحسب المسوح الطبية داخلياً فإن نسبة الزواج المبكر لأقل من 18 عاماً، هي الأعلى بين الأزواج الأقارب، في حين وصلت نسبة الزواج بأقارب الدرجة الأولى إلى 60.2 في المائة من إجمالي زواج الأقارب.
وأكدت الأخصائية الاجتماعية العاملة في إحدى المؤسسات الراعية للأطفال المعاقين في رام الله إيمان ياسين، أن نسبة كبيرة من الأطفال الذين تتعامل معهم يحملون أمراضاً خلقية وعقلية ناتجة عن زواج الأقارب.
حالة شقيقين
وتشير إلى حالة الأخوين رجب ومحمد اللذين تشرف عليهما في المركز وهما يبلغان من العمر (16 و18 عاماً) ويعاني كل منهما الأعراض نفسها تقريباً، صعوبة في النظر، ورؤية شبه معدومة، وصعوبة في التحكم بالعضلات الدقيقة الأصابع واليدين والقدمين.
وقد وصلا إلى سن الشباب، ويسألان معظم الوقت عن الزواج ومعنى الزواج والجنس وغيره من الأمور الخاصة، على الرغم من أنهما يعانيان من مشاكل جنسية لا تسمح لهما بالزواج أبداً، ونتيجة إعاقتهما المختلفة ليس أمامهما فرصة للعمل أو التقدم في الحياة أو مباشرة مهنة معينة، وإنما يحاول المركز إبقاءهما على اطلاع ومعرفة بما يدور حولهما من أحداث من خلال التثقيف المباشر في العلوم والسياسة والثقافة وغيرها.
أعراض خلقية
وعن والدة الطفل «صديق» الذي تتولى متابعة حالته وعمره 11 سنة، ويعاني من نفس الأعراض الخلقية والعقلية نتيجة زواج أمه بابن عمها دون إجراء الفحوص الطبية المطلوبة قبل الزواج، وقالت إن أمه توليه عناية فائقة وتحافظ على نظافته وترتيبه وتحاول تعويضه عن مصابه، ويبدو الندم والشفقة في عينيها حين توصله للمركز وتراقبه من بعيد يعبر باب المركز إلى أن يختفي بداخله.
ويؤكد الشيخ عكرمة صبري أن الإسلام يشدد على ضرورة تغريب النكاح حفاظاً على الإنسان والمجتمع، والمؤسسات الدينية المحلية تعمل على نشر التثقيف والتوعية من خلال المحاضرات والخطب التي تحث على البعد عن زواج الأقارب، في حين فرضت المحاكم الشرعية على كل من ينوي الزواج أن يقوم بفحص طبي لاكتشاف مرض الثلاسيميا الوراثي كشرط أساسي لاكتمال عقد الزواج.
ويرى اختصاصي الأطفال الدكتور أمين ثلجي، أن حل المشكلة يبدأ بتبني استراتيجية مدروسة بشكل ممنهج، قائم على أساس التخطيط السليم ونشر الثقافة والوعي، والاستفادة من تجارب دول أخرى تغلبت على الظاهرة وسلبياتها المتمثلة في الأمراض الوراثية وتحويلها إلى قوانين ملزمة يجب التقيد بها لمحاصرة الظاهرة.
