باتت مشاكل المسنين تشكل هاجساً كبيراً، بل ومقلقاً في مصر، وتتزايد كلما تقدموا في العمر، في ظل عقوق الأبناء وإهمال الدولة، حيث لا يجدون الدعم الكافي والرعاية والاهتمام ، ما يترك لديهم آثاراً نفسية سلبية.

وبحسب تقريرٌ للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فإن نسبة المُسنين بلغت نحو 7.1 % من إجمالي السكان، بواقع 5.9 ملايين، منهم3 ملايين من الإناث. وهم بذلك يُشكلون طبقة كبيرة من المجتمع المحلي، ولديهم متطلباتهم ومشاكلهم الخاصة

.وحاول التقرير الدفاع عن الدولة وموقفها من رعاية المسنين، فأشار إلى أن عدد مؤسسات رعاية المسنين تبلغ 121، على مستوى الجمهورية، وتوفر الرعاية لنحو 6419 مسناً، وعدد المنتفعين بمعاش التضامن الاجتماعي 1.3 مليون بنسبة 22 %.

وينتفع منهم 39.1 % بمعاش العجز الكلي، و22.1 % بمعاش الأرامل، و21.3 % بمعاش الشيخوخة، ويبلغ عدد المشتغلين 1.2 مليون ، ويُمثلون 20.5 % من العدد الإجمالي ، بينما يمثل الفقراء منهم نسبة 19.5 %.

وتجاهل التقرير حجم الرعاية التي يلقاها المسن، وعدم كفاية ما يحصل عليه بعضهم من أموال المعاشات لسد احتياجاتهم الشخصية. وارتفع توقع البقاء على قيد الحياة عند الميلاد من 66.5 إلى 69.4 سنة للذكور، ومن 69.1 إلى 72.2 سنة للإناث ،بين 2006- 2013، وبلغت نسبة وفياتهم 58.9 %، 54.1 % ذكور، 64.9% إناث في العام الماضي، ويعتبر ارتفاع ضغط الدم من الأسباب الرئيسة للوفيات إذ بلغت7.2 % للذكور، و8.4 % إناث في عام 2011.

وفي خضم التطورات التي تشهدها مصر الآن، بعد المراحل الانتقالية التي خلقتها الثورتان المتتاليتان، بات التركيز الأكبر دائماً على البُعد السياسي من دون الأشياء الأخرى، خاصة الاجتماعي، رغم أن أحد أبرز وأهم مطالب الثورتين كانت "العدالة الاجتماعية".

بعد اجتماعي

وتوضح أستاذة علم الاجتماع والعميد السابق لكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر الشريف دكتورة سامية الجندي، أن المسنين دائماً ما يكونون في حاجة ماسة للاهتمام والرعاية، خاصة من أبنائهم، ودعم الدولة واهتمامها بهم؛ نظراً لاختلاف احتياجاتهم عما كانت سابقًا، فهناك بُعد اجتماعي وضروري، يتعلق برعاية الأبناء لآبائهم.

فعقب أن أفنى الآباء أعمارهم في تربيتهم وتعليمهم، فإن أقل واجب أن يقوم الأبناء برعايتهم في الكبر، خاصةً في سنهم الحرجة حالياً، التي تتطلب رعاية خاصة، "المسن يُعاني مشاكل خاصة، تحتاج تكاتف الدولة والأبناء معاً لعلاجها".

وأشار أستاذ علم الاجتماع محمود متولي إلى أن مسؤولية رعاية المسنين يتحملها المجتمع كله، فعلى الجميع دعمهم وتوفير سبل الرعاية الكافية لهم، مع ضرورة توقيرهم واحترامهم والتعامل معهم بخصوصية في المؤسسات المختلفة، وفي الشارع وفي كل مكان، وتوفير منظومة علاج تناسبهم وفق رعاية صحية خاصة، وإقرار نظام معاشات يواكب الأسعار الحالية، "لا خير في أمة لم تحترم الكبير وتعطه حقه".

وقال هناك العديد من النماذج غير الإنسانية التي نتابعها في حياتنا اليومية، وتنشرها الصفح ونشاهدها على شاشات التلفزيون، متمثلة في تعاملات غير إنسانية من قبل الأبناء مع أهاليهم المسنين، فالبعض يترك أمه أو أباه في الشارع أو في دور المسنين، وهي نماذج يجب تداركها عبر تعزيز الوازع الديني والثقافي، وتجريمها بالقانون، حمايةً لكبار السن في هذا العمر المتقدم.

نماذج وشهادات

ويقول علي سعد "72 عامًا"، إنه يُعانى قسوة أبنائه الأربعة، فزوجته توفيت ويعيش بمفرده، والأبناء متزوجون، ونادراً ما يجد منهم اهتمامًا أوحتى سؤالًا، بحجة المشغولية الدائمة، ولم يقم أحدهم بزيارته منذ فترة طويلة.

ويأتون فقط لأخذ بعض الاحتياجات من المنزل، ووصل الأمر ذات يوم، أن ابنه الكبير حاول التعدي عليه بالضرب؛ بسبب اختلافهما حول مبلغ من المال، وكثيراً ما فكر أن يُقيم في دار مسنين، حتى قرر أن يكفل صبياً يتيماً، ليؤنس وحدته، ويساعده على التنقل و تلبية طلباته التي لا يستطيع أن يقوم بها بمفرده!

وتقول هدى عبدالله "69 عاماً"، أُقيم في دار للمسنين منذ فترة، التي وضعني أبنائي فيها، مع وعد منهم أن يأتوا ليأخذوني عقب شهور قليلة، عقب العودة من السفر، ومرت بعدها أسابيع وشهور وسنوات، ولم ينفذوا وعودهم لي، وتركوني وحيدة في تلك الدار، ولم يزوروني يوماً أو يسألوا عني، وعلمت من مدير الدار أنهم غيّروا أرقام هواتفهم، ليوقفوا اتصالي بهم كافة!