ينشغل الفلسطينيون بقطف الزيتون «سيد المواسم الوطنية» على اختلافها وتعود بهم رائحته إلى ذاكرة الأيام الماضية والحاضرة المشبعة بانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، وينكأ ملمس التراب واقتراب المواطنين من مساحات الأرض الباقية، بعد انشغال طوال العام في وظائف ومهن وحرف وسبل عيش أخرى مختلفة..

وجع الاستيطان الذي لا ينتهي، وتحيي أغاني الموسم المعروفة حلم الوطن والحرية والاستقلال الذي طال انتظاره وعجزت كل الوسائل عن تحقيقه. إلا أن جذور الزيتون وعروقه وصفاء زيته، سرعان ما تعود لتجعل خاطر صاحبها موعوداً بالأمل في عودة الأرض وحرية الشعب، حوار الذات يتكرر عند كل موسم لقطف الزيتون بين فرحة ودمعة في سباق دائم للعقل، وما يقرأه من واقع مرير إلى القلب وما يستشرفه من مستقبل يعود فيه الحق إلى أصحابه الأصليين.

يبدأ موسم قطف الزيتون مع بداية أكتوبر الحالي، ويختلف الموعد باختلاف التضاريس المحلية، إذ يكون منتصف الشهر موعداً لبدء القطف في المناطق الساحلية وشبه الساحلية والدافئة؛ وبداية نوفمبر بالمناطق الجبلية لصنفي النبالي والسوري؛ أما النبالي المحسن، فيتم تأخير قطفه إلى نهاية الشهر المقبل.

ويمارس المستوطنون المتطرفون حرباً شرسة ومستمرة على شجرة الزيتون لقدسيتها ورمزيتها لدى الشعب الفلسطيني والعربي، ويحاول المتطرفون ترويع المزارعين، لسلخهم عن ارتباطهم بأرضهم ومزروعاتهم ومحاصيلهم وأشجارهم لاسيما الزيتون في سياق مشروعهم القائم على مصادرة الأراضي وتهويدها وتحويلها لبؤر استيطانية.

والمواطنون يثبتون في كل موسم حرصهم وارتباطهم الوثيق بأرضهم مدافعين عن حقهم، ويؤكد المزارع م أبو ماهر من قرية بيت دقو المشهورة بأشجار العنب والزيتون، أن موسم الزيتون بمثابة قسم يتجدد في كل عام بين المواطن والأرض ويتعهد فيه بالحفاظ على الأرض والدفاع عنها بالنفس والدم في وجه مخططات الاحتلال واعتداءاته، فالمشاعر الوطنية تسري في العروق مع كل قطرة زيت نتذوقها طوال العام ولحين موعد الموسم الجديد الذي نجدد فيه العهد والقسم.

محصول أقل

ويوضح أبو إبراهيم صاحب معصرة زيتون حديثة أن حجم الإنتاج ونسبة سيل الزيت يختلفان من سنة لأخرى تبعاً لظروف أهمها كمية الأمطار التي تهطل خلال موسم الشتاء الذي يسبق المحصول، وهذا العام السيل ممتاز إلا أن كمية الإنتاج ستقل عن العام الماضي، ما يعني أن سعر تنكة الزيت سيرتفع، فالآن تباع بـ "450 شيكل" ويتوقع أن ترتفع مع انتهاء الموسم لتصل إلى "650 شيكل".

وفي ذات السياق يعتبر الزيت من أساسيات المائدة المحلية ويستخدم في إعداد الكثير من الوجبات الوطنية الخاصة مثل " المسخن" الذي يحتاج صنعه للكثير من الزيت، وفي ظل انخفاض معدل الأجور وغلاء المعيشة يجد المواطنون المستهلكون السعر مرتفعاً، ما يدفع البعض إلى التعدي على الممتلكات الخاصة وسرقة ثمار الزيتون ليلاً أو خلال ساعتين بعد الشروق، لتأمين بعض الكمية التي يحتاجونها طوال العام.

ويقول الحاج أبو محمد من بيت لقيا: «بعد عدة حوادث سرقة في بداية الموسم صار أولادي يتناوبون على حراسة الأرض حتى ينتهي الموسم وننتهي من القطف».

ويمارس الفلسطينيون طقوساً خاصة خلال "القطف" أهمها ترديد بعض الأغاني التراثية مثل الدلعونة المشهورة "على دلعونــــة وعلى دلعونـــــة زيتـــون بـــلادي أجمــــل مــــــا يكونــا زيتون بلادي واللوز الأخضر والميرامية ولا تنسى الزعتــر وقراص العجــة لمـا تتحمـــر ما أطيب طعمها بزيت الزيتونا". ويعكفون على إعداد القهوة والشاي بنار الحطب لطيب طعمها المميز، في ذاكرة الفلاح قبل انتشار غازات الطهي وغيرها من الوسائل الحديثة، و"يتحلا" الفلاحون بطعم ثمار "الزعرور" حلوة المذاق المنتشرة في الجبال والأراضي الفلسطينية والتي تنضج في موسم قطف الزيتون، وتضفي هذه الطقوس رونقاً خاصاً على موسم الخير والبركة والسلام.