أنين في صمت لا أحد يشعر به يعشنه «عانسات» في العالم العربي لا ذنب لهن سوى أنّ قطار الزواج لم يقف عند المحطّة الموعودة، فلا هن ظفرن بتمر شريك يقاسمهن رحلة الحياة، ولا عنب رحمة المجتمع الذي لم يتردّد في ملاحقتهن بالأعين والألسنة التي لا ترحم ما عبّأ العيون والأفئدة أرق لا يعرف الهدوء إليه طريقاً.
وما بين دعوات إلى تغيير جذري في تقاليد الزواج أملاً في كبح شبح العنوسة، وإيجاد منظومة اجتماعية جديدة تعالج أسباب العزوف عن الزواج، ومعالجة تفشي بطالة الشباب، تعدّدت نداءات المعالجة لأزمة أعيت الطبيب المداوي.
وفيما تسهم العادات والتقاليد القروية أقرب منها إلى المدنية في تطويق ظاهرة العنوسة في اليمن على الرغم من عدم وجود إحصاءات ودراسات مسحية، تظل الظاهرة دون مستوى الحال في بلدان عربية أخرى كثيرة، يتفق أغلب البحرينيين على أن الزواج الثاني من شأنه الإسهام في التقليل من ظاهرة العنوسة، بينما تتخذ العراقيات من «فيسبوك» منبراً للانتفاض على الواقع المرير.
وغير عابئين بما يقال من حديث وما يرصد من أرقام عن «ظاهرة العنوسة» يسير المعنيون في طريقهم يستكملون دراساتهم العليا لا يلقون بالاً لنظرات الأقارب والأصدقاء، وآخرون أجبرتهم نظرة المجتمع على الدخول في زواج غير مخطّط له ولا مدروس ما لبثت أن انقلبت بهم حافلته على «رصيف الطلاق».
قضية
جهود كويتية متنوعة لاحتواء الظاهرة وتداعياتها

تعد ظاهرة العنوسة بين النساء من القضايا المؤرقة في المجتمع الكويتي، وذلك بسبب التزايد المستمر لأعداد العانسات رغم محاولة الحكومة والبرلمان الحد من اتساعها عبر تشريعات تشجع على الزواج من كويتية، حيث كشفت أحدث احصائيات للهيئة العامة للمعلومات المدنية عن وجود أكثر من 30 الف فتاة كويتية لم تتزوج وتم ادخالها في شريحة ما يعرف بـ "العنوسة"، التي تضم طبقا لهذه الإحصائية الفتيات بين سن 25 الى 65 عاما فأكثر.
والعنوسة.. تعبير عام يستخدم للإناث اللواتي تعدين سن الزواج المتعارف عليه في كل بلد، ورغم أن المصطلح لا يطلق على النساء فقط من دون الرجال، بل على الجنسين، غير ان المتعارف عليه هو إطلاق اللفظ على النساء، ونتيجة العدد الكبير لـ «العانسات» بالنسبة لعدد سكان الكويت فقد دخلت هذه الظاهرة معظم البيوت حتى باتت تشكل هماً للمجتمع بأسره.
وبسبب آثارها السلبية على المجتمع الكويتي، سعى خبراء الاجتماع إلى دراسة الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة وكيفية مواجهتها والحد من سلبياتها على أفراد المجتمع لاسيما النساء.
وحاول مجلس الأمة بدوره الدفع نحو اقتراحات، كان آخرها ما تقدم به النائب فيصل الدويسان خلال المجلس السابق من اقتراح ينص على منح مكافأة تصل إلى 15 ألف دولار لكل كويتي يتزوج من كويتية كزوجة ثانية بشرط أن تكون عزباء تجاوزت الأربعين أو أرملة أو مطلقة، غير ان المقترح لم يأخذ طريقه إلى التشريع.
عقبات
ولعل عدم وجود أرقام إحصائية دقيقة عن عدد من يمكن تصنيفهن بالعوانس أبرز العقبات التي تواجه الباحثين في دراسة ظاهرة العنوسة، ليبقى المرجع هو التعداد العام للسكان والاستدلال على الأرقام من مؤشرات الحالة الاجتماعية والفئات العمرية واستنادا إلى متوسط سن الزواج لدى الفتاة.
ويكشف أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت دكتور جميل المري عن مسح تم اجراؤه خلال حقبة الثمانينيات رصد نحو 50 ألف عانس في المجتمع الكويتي، لافتا إلى انه تم قدّم مشروع وطني منذ 25 عاما، وأخذ به مكتب الاستشارات التابع لوزارة العدل غير ان المكتب طبق الجزئية الخاصة بالطلاق، ولم يطبق الجانب الخاص بالزواج من المشروع.
وأوضح المري ان حل أزمة العنوسة يكمن في السعي إلى محو أمية الأسرة في المجتمع، فالشباب لا يعرف عن الزواج شيئا، سوى إشباع الغريزة الجنسية فقط، وقال:
«تقدمت فعليا إلى وزير الشؤون السابق الفريق أحمد الرجيب بهذا المشروع الوطني من أجل حل أزمة العنوسة واستغلال مراكز تنمية المجتمع في حل هذه القضية الاجتماعية، ووافق عليه الوزير، وطالب بتشكيل فريق عمل للبدء به، غير أن البيروقراطية أوقفت المشروع».
قضية حساسة
واعتبر أستاذ الشريعة في جامعة الكويت سالم الشمري أن الظاهرة من القضايا الحساسة في مجتمعنا المحلي، ومن الأمور التي أوصانا بها الإسلام ضرورة التيسير في الزواج، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».
وكل ما نتمناه أن يستجيب الآباء وأولياء الأمور في مسألة تيسير زواج النساء والشباب، لأن إكرام المرأة في تزويجها، وإكرام الرجل كذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء «أي وقاء»، وهنا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بالزواج عند الاستطاعة.
وأكد الشمري أن الزواج إن لم يتم تسيير أموره وشروطه تقع فتنة في المجتمع وفساد كبير، داعيا الأسرة إلى تيسير الزواج، من خلال عدم رفع قيمة المهور، لأن أحد الأسباب وراء عزوف الشباب عن الزواج ارتفاع مهور الفتيات.
ورغم المحاولات المتواضعة والدعوات المستمرة سواء من المختصين أو الأكاديميين أو رجال الدين، وحتى السياسيين إلا ان شيئا من المحاولات أو الدعوات لم يجد آذانا صاغية، من مجتمع يأن من هذه الظاهرة طيلة عقود ماضية، والتي تنذر بتدميره.
خصوصية فلسطينية تقاوم ضمن معركة الوجود

تعد نسبة العنوسة في فلسطين منخفضة جدا قياسا بالدول العربية الأخرى ، إذ لم ترتفع أكثر من 3.9 % منذ عام 2000 الذي كانت فيه النسبة واحدا بالمائة، وأكثر من نصف النساء بأراضي السلطة من هن في عمر 15 سنة فأكثر متزوجات، على الرغم من الظروف المعيشية الصعبة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي.
جاء ذلك بحسب تقرير واف لجهاز الإحصاء الوطني المركزي، وفسر أخصائيون ان الانخفاض يأتي نتيجة الخصوصية التي يتميز بها المجتمع المحلي عن باقي المجتمعات الأخرى، فيما يتعلق بالإقبال على الزواج من جهة واختيار للفلسطينيات دون غيرهن من جهة أخرى.
والعوامل والأسباب التي تحافظ على نسب العنوسة منخفضة في فلسطين هي متعددة ومختلفة، وفق ما تقول الإعلامية المتخصصة في شؤون المرأة لبنى الأشقر فالنسبة في المجتمع لا تصل إلى النصف ، حيث تشكل نسبتهن 49.2 % من مجمل السكان وهذه نسبة طبيعية مقارنة بالذكور ، والمعروف أن الحالة ترتفع كلما كانت نسبة الإناث أعلى من نسبة الذكور.
وحول خصوصية المجتمع تؤكد ان ذلك يعود إلى الاعتزاز السائد بالمرأة لدورها المهم بحيث يبحث الرجل عن امرأة من بنات وطنه للزواج بها ، وليس عن بدائل أخرى.وفي فلسطين نسبة الهجرة قليلة وأغلب المهاجرين يعودون للزواج من فتيات بلدهم وهذا ما يميزه عن الدول العربية الأخرى .
ولذلك تحافظ الأراضي على نسبة عنوسة منخفضة وتساعد بعض الممارسات في تقليل تكاليف الزواج ما يشجع الشباب على الإقبال عليه، وللزيجات الجماعية دورها الفاعل في تقليل التكاليف وأيضا هناك مساعدات تقدم وتسهيلات بنكية في منح القروض وغيرها.
ولفتت الأشقر إلى أن الزواج والنظام الأسري في فلسطين يعد نظاما مقدسا نظرا للصراع القائم مع الاحتلال، ويتنبه الجميع إلى ضرورة بناء الأسرة وإعداد الأجيال الجديدة للتمسك بالأرض والحقوق ، والمجتمع بشقيه الذكوري والأنثوي يؤمن بأهمية دور الإنجاب والمسألة التربوية للمرأة إلى جانب دورها الإنتاجي والوطني والسياسي.
نظرة دونية
وقال استاذ علم الاجتماع في جامعة بير زيت دكتور زهير الصباغ كل بلد له خصوصياته وفلسطين لها وضعها الخاص كونها ليست دولة مستقلة وإنما بلد يقع تحت حالة من الاستيطان الاستعماري ، ما يدفع إلى الشعور الدائم بالخطر والخوف من خسارة معركة الوجود، لذلك نجد لدى المجتمع توجه عام ورغبة دائمة في الزواج والتكاثر لمواجهة مخططات الاحتلال من تهويد وتهجير وقتل وتحضيرا لما يخفيه المستقبل .
وحول الارتفاع الطفيف الذي طرأ على نسبة العنوسة منذ عام 2000 يشير إلى أن هناك عوامل اجتماعية وأخرى اقتصادية ،وهناك مقاييس لاتزال سائدة للزوجة المثالية وبالتحديد عمرها الذي يجب ان لا يتعدى 22 أو23 سنة وهناك توجه من قبل بعض الشباب نحو الزواج من فتيات دون سن العشرين .
وذلك يقلل من فرص الفتيات اللاتي يقبلن على الدراسة الجامعية، ويرغبن في التفرغ لدراستهن وحين يتخرجن تكون أعمارهن غير مطابقة لمقاييس بعض الشباب ، فالتعليم يؤخر سن زواج الشباب اقتصاديا لأنه بحاجة إلى سنوات في العمل لتكوين نفسه ماليا، و الفتيات اجتماعيا.
وعن الأسباب يعتبر أبرزها ارتفاع نسبة البطالة وأسعار البيوت وإيجار الشقق مقارنة بالمستوى المعيشي والدخل المتوفر ومعدل الأجور وذلك أدى إلى عزوف الشباب عن الزواج فضلا عن هجرة الذكور بحثا عن فرص عمل في الخارج .
وتوقع الصباغ ان ترتفع نسبة العنوسة نتيجة لبقاء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المستقبل على حالها موضحا أن هناك نوعا من الشفقة والحزن والدونية في نظرة المجتمع للمرأة العانس باعتبارها أقل حظا في المجتمع والأسرة .
وبالطبع هناك تفاوت تبعا للمستوى الأكاديمي والتعليمي للفتاة حيث نجد أن المتعلمة الريادية القيادية صاحبة القرار مشكلة العنوسة ليست معضلة في حياتها ، ونظرة الآخرين لها لا تتوقف عند كونها متزوجة أم غير متزوجة.
تقرير
عناصر عديدة بينها بطالة الرجال ترفع نسبة العوانس في المغرب

كشف تقرير أممي صدر مؤخرا أن نسبة الفتيات العوانس في المغرب بلغت 40 في المائة، ضمن خارطة العالم العربي لدرجة أصبحت ظاهرة تقلق العديد من الأسر والمنظمات الحكومية، وغير الحكومية والعديد من فعاليات المجتمع المدني. وأشار إلى أن الجزائر والمغرب وتونس سجلت أعلى مستويات في نسبة العنوسة، بالنظر إلى مجموعة من الأسباب المرتبطة بالاستقلالية والعمل والدراسة وتغيير التقاليد والأعراف.
"سعاد" عمرها يتجاوز الثلاثين، وحاصلة على شهادة عليا، يشهد لها الجميع بوعيها وثقافتها ومستواها الأخلاقي وتمسكها بالحجاب وعلى قدر عال من الجمال، لم تظن أنها في يوم من الأيام سيتجاوز سنها عتبة الثلاثين ولا تحظى بزوج يحميها وأبناء يؤنسون وحدتها، غير أنها تؤمن بأن كل شيء "قسمة ونصيب" تقول ذلك والحزن يعتصرها والعبرة تغمر صوتها العذب.
وبعد تنهيدات طويلة منها استدركت قائلة وهي تجهش بالبكاء : منذ أن بلغت سن الخامسة عشرة والشباب يطلبون يدي، غير أنني كنت أرفض لأنني كنت أريد إكمال دراستي ولما أتممت الدراسة بدأت أفكر في الحصول على عمل، وكلما أتى شاب يكون ردي:
"لن أتزوج حتى أجد عملا"، كانت عندي رغبة جامحة في تحقيق ذاتي بحصولي على شغل يناسب قدراتي"، تعبت نفسيا من سماع هذه الكلمة وأدركت أن شبح العنوسة دق مسمارا في نعش حياتي، أصبح الكل من قريب أو بعيد يشير علي بحلول تجرح كرامتي، وتجعل مني إنسانة من الدرجة الثانية مجبورة أن تتقبل حلولاً ترقيعية، لا لشيء إلا لأنها كرست حياتها لتحقيق ذاتها.
وتناست أن مجتمعها يكيل بمكيالين، فمرة المغربي لا يقبل الارتباط بغير المتعلمة والمثقفة ويحث بناته على التعليم؟
وحين تكرس الفتاة حياتها للتعليم تصير عانسا بنظره لا يقبل الارتباط بها ويلقبها بــ"الـبايرة" يعني العانس، التفكير في هذا الأمر شتت تفكيري ودمرني نفسيا، ضاعت أحلامي بالارتباط بشاب فيه كل المواصفات التي تحلم بها أي فتاة وصرت بين نارين إما أن أقبل بصفة "زوجة الأرمل" أو الذي "يريد التعدد" أو أظل "عانسا" من وجهة نظر مجتمع لا يرحم المرأة وعذاباتها وينكرها حقها في كل شيء حتى في أحلامها البسيطة".
أسباب عديدة
وبحسب الدكتور عبد الكبير الحميدي فإن أسباب العنوسة كثيرة ومتنوعة، ويأتي على رأسها بطالة الرجال وقلة فرص الشغل. ومن أسباب بطالة الرجال احتلال النساء لنسبة مهمة من المناصب والوظائف، التي لو شغلها الرجال بدلاً عنهن لانتعشت سوق الزواج من جديد ولما غلب عليها الكساد. أي أن قلة فرص العمل تعني قلة فرص الزواج، وأن عمل المرأة نفسه سبب من أسباب عنوستها، على حد تعبيره.
وفي سياق متصل، اعتبرت الباحثة في علم الاجتماع كريمة الودغيري إن الفتاة العانس تعيش مجموعة من الصعوبات النفسية والاجتماعية، فمثلاً تأخرها في السن يجعلها تشعر بحرمانها من ممارسة الأمومة، أيضا يجعلها محطة للشبهات وللتحرشات، ذلك، أن في مجتمعنا لاتزال الثقافة الذكورية مسيطرة رغم التحولات التي يعرفها.
ولايزال مصطلح العنوسة حاضرا بثقله على جميع المستويات، على اعتبار أن المرأة في نهاية المطاف، لابد لها من زوج يصونها وبيت تكون ملكته، والزواج هو الذي سينقذها من الدونية التي يضعها فيها المجتمع. فالزواج هو الذي يمنحها الوضع الاجتماعي.
في ظل أكثر من سبع سنوات على تطبيق مدونة الأسرة الجديدة، التي أفرزت رقما مخيفا في الزواج من القاصرات، إذ عرفت منطقة الحوز تفشي ظاهرة زواج القاصرات بشكل ملحوظ بعد دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق، وهذا لا يمكن نسبه إلى المدونة فحسب، بل هناك أيضا العقلية الذكورية التي بقيت راسخة في عقلية الرجل المغربي، المتمثلة في الرغبة من الفتيات القاصرات مما يساهم في الرفع من معدل العنوسة لدى الفتيات في المجتمع المغربي.


