يعتبر أيقونة العلم الغزير بالنسبة لكثير من طُلاب الأزهر الشريف، جاوز عامه الـ 100، ولا يزال إنتاجه العلمي وفيراً، ولا يزال يلتف حوله تلاميذه، هو الشيخ المُعمِّر معوض عوض إبراهيم، الذي خصّ «البيان» بحوارٍ تناول فيه جملة من الملفات التي تشغل بال الأمة العربية والإسلامية، مُدلياً بدلوه في موقفه حول دخول الدين في السياسة، ومؤكداً دور الأزهر الشريف التنويري.
وفي ما يلي تفاصيل الحوار مع معوض إبراهيم، والذي أدلى بنصائحه خلاله كرجلٍ زهد الدنيا وما فيها لجموع المسلمين حول العالم، راصدًا أبرز السبل أمام الإنسان نحو السعادة.
بداية.. كيف يصف فضيلتكم حال الأمة المصرية الآن؟
حال الأمة لا يسر صديقًا ولا يُقر عينًا.
مصر كنانة الله في أرضه، عاشت أحقابا طويلة وهي ترى ما ترى من أمن واستقرار على ما يُقابل ذلك من انقسام وبلاء من الذين حكموها بالقهر في عصور سبقت ذلك العصر الذي نعيشه.
وكيف تصفون التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة العربية؟
الموقف الذي يتقدم مواقف كثيرة يعيشها العالم العربي والإسلامي، هو فلسطين التي صنع منها الاستعمار الغربي وأميركا خاصة من الصهاينة دولة ممزقة الأوصال لا تتوقف عند حد التقسيم الذي فرضته أميركا ودول الغرب، ونرى إسرائيل تستولي على بلاد في الضفة الغربية وفي شمال القدس الشريف، وقد تم قبول فلسطين في الأمم المتحدة كدولة غير عضو.
وهي خطوة إن لم تكن الأمل، لكنها أمر من الأمور التي تدعو الإخوة في غزة إلى أن يُلاقوا بقية الفلسطينيين في وحدة يذل الله تعالى بها أنوف الطغاة في إسرائيل، ومن يستعلون بتأييدها في أميركا وغيرها، تلك حال نسأل الله تعالى أن يحولنا منها إلى خير حال.
يد الله مع الجماعة
من واقع خبرتكم في الحياة، ما النصيحة التي تتقدم بها للمسؤولين عن اتخاذ قرار الأمة العربية؟
أقول لحكام هذه المرحلة من الزمان في مصر وفي تونس وفي سائر أقطار الوطن العربي: يد الله مع الجماعة.
إن من الشجاعة الأدبية والرجولة الكاملة أن نميت دواعي الانقسام والتحزب والتشرذم التي نُغص بمرارتها في هذه الأيام، ونرى جموعا هنا وهناك، ثم نرى الأوطان، ومصــر بخاصة .
وقد تعطلت فيها الأعمال، وأقول للذين يبدون على السطح في هذه الأيام من بقايا عهود الفساد: أعلنوا صراحة وبصدق أنكم قد برأتم مما كان وعدتم إلى رحاب المودة الحانية والوفاق الــذي يبلغ الآمال والأماني في عيشٍ رغيد وأمن صادق وعون من الله الذي يُعز من أطاعه، ويُذل من عصاه.
وبماذا تنصح الشباب الثائر بمصر والبلدان العربية؟
نود أن نرى الشباب الذين قاموا بثورتهم وحقق الله بهم الأمل في العمل الطيب، أن نراهم فوق الصوالح الخاصة، التي عاش بها طويلاًَ أقوام، الباب مفتوح على مصراعيه لعملٍ يقضي على الفرقة والانقسام ويصون الدماء العزيزة من أن تُهدر في غير ملاقاة أعداء الله وأعداء عروبة الإسلام في إسرائيل وغيرها، ممن لا يريدون لنا أمناً ولا استقرارًا ولا ازدهارًا.
الدين والسياسة
الدين والسياسة طرفا أزمة حالية بدول الربيع العربي، فما وجهة نظركم في امتزاج السياسة بالدين، هل هو مع الخلط أم ضده؟
بارك الله لمصر ولبلاد العروبة والإسلام في الأزهر، الذي يرتبط كل الارتباط وينطلق بطمأنينة واغتباط، فقد أعلن رأيه في معنى السياسة التي قال فيها من قال: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، فجاء الأزهر يضع النقاط على الحروف ويُبين مفهوم الجمل والعبارات وهو يُقرر ان السياسة بمعناها الحزبي فقط مرفوضة معنى ومبنى.
ولكن السياسة بمعنى رعاية شؤون الأمة، وبمعنى الحكمة وتسيير الأمور ببصر وبصيرة هي من صميم الدين، وفي ذلك الجو نقول إن السياسة من صميم الدين بهذا المعنى، أما عالم الدين فالأفضل له ألا يحصر نفسه في السياسة الحزبية لأنه مِلْكٌ للأمة ولجميع الأطراف، فينبغي أن يسعى لتوحيد الصف، ورأب الصدع، وها نحن نرى الأزهر يحتضن الجميع ويسعى جاهدًا للبحث عن حلول للتقريب بين فئات المجتمع.
الأزهر الشريف
وما رأيك في الهجمة التي توجه ضد الأزهر الشريف؟
لقد نسأ الله تعالى في عمري فعملت في لبنان ست سنوات، وعملت في اليمن ما أراد الله عز وجل في عدة زيارات، وعملت في السعودية ست سنوات بين مكة والمدينة المنورة، وعملت في الأردن أربع سنوات، وعملت في الكويت ست سنوات، وقابلت الرؤساء في أكثر هذه الأقطار.
ورأيت من أكثرهم من يُنيط بمصر الرجاء والأمل، ويبعثون بفلذات أكبادهم إلى الأزهر الذي يدعو سرًا وجهاراً وليلاً ونهاراً إلى وحدة الصف، والى التناجي بالبر والتقوى..
يزول المشككون ويبقى الأزهر بالله، وكما كان الأزهر في الحركات الوطنية يعلو منبره نسيج هذا الوطن، مسلمين وأقباطا، سيظل الأزهر وإلى جواره دور عبادة الذين يؤمنون بموسى وعيسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، حتى تكون شرائح هذا الوطن العزيز شريحة واحدة لا ترى مصر إلا وحدة واحدة، تناجت بها القلوب وينادي إليها الأبرار، وذلك كائن إن شاء الله، ومصر منارة عالية، ومنبر يُذيع الحق.
وكيف تُقيم الخطاب الديني الآن في العالم الإسلامي؟
الخطاب الديني الذي يلتمع بهذا الوصف أنه ديني، هو الخطاب الذي يُلقيه صاحبه وقد استبان فيه المراد، وتحددت الغاية، والتزم البيان الذي لا يعلو على مستوى أقوام، أو يثير شيئًا من الضيق عند آخرين، إنه الكلام الذي يجمع ولا يُفرق، ويبني ولا يهدم، ويزيد الذين اهتدوا هدى ويفتح باب المتاب إلى الله عز وجل لأقوامٍ غفلوا عن الله واتبع كل واحد منهم هواه، بعيدًا عن هُدى الله الذي يتولى الصالحين ولا يُصلح عمل المفسدين.
السعادة
من خلال تجربتكم في الحياة، أين يجد الإنسان منا السعادة؟
السعادة لا تكون إلا بالإيمان الحق بالله، والاعتصام بحبله، والتزام النهج الذي تبقيه بيننا سنة مصطفاه صلوات الله عليه.
ورحم الله الذي قال: «ولست أرى السعادة جمع مال.. ولكن التقي هو السعيد.. وتقوى الله خير الزاد ذخرًا.. وعند الله للأتقى المزيد».
والمال قد يُطغي، وقد ينــفخ الســلطانُ بعض أوداج أقوام لا يلبثون إلا قليلاً، فإذا بسلطانهم قد زال مُلكهم وصار عِبرًا تُروى، وماضـيًا ليس إلى رده مــن ســبيل، ولله در القائل: «وما الأهل والأهــلون إلا ودائع.. ولا بد يوما أن تُرد الودائع»، وفي قصة قارون وماله وخزائنه ومصيره في سورة القصص بلاغ لقوم يعقلون.. بالتــالي السعادة ليست في المال.
وما سر السعادة بالنسبة إليكم الآن بعد أن تجاوزتم الـ 100؟
يُقر عيني أنني بين إخواني في الأزهر الذين يترددون على بيتي صباحاً ومساءً، وما بين ذلك، قارئين عليَّ من آثار الأولين ومن طارف ما تنشر الجرائد والمجلات والكتب الحديثة، وإعداد ما بين يديَّ من أوراق؛ لتضاف كتب جديدة إلى ما يزيد على خمسة عشر كتابًا، صدر بعضها في لبنان، وبعضها في الكويت، وبعضها في الإسكندرية والقاهرة، وقد لقيت بفضلٍ من الله ونعــمة القبول ممن صارت إليهم.
أمة وسط
قال الشيخ المعمّر: خلقنا الله عز وجل كما قال أمةً وسطًا. وتابع القول: وكما جعلنا الله أمة وسطًا أتمنى ويتمنى كلُ من ينصفون الحق، أن نعود أمة وسطًا، لا توصف بإفراط ولا تفريط، ولكنها تؤثر الحق ولا ترى بديلًا عنه ولا عوضًا له.

