لا تزال قضية مناهج التعليم صداعاً مزمناً يدك رؤوس الدول والمجتمعات في العالم العربي، لما لها من دور بارز في تشكيل الأجيال المناط بها الإمساك بدفة القيادة في شتى المجالات .
وفي غضون سنوات قلائل، فما بين جدلٍ محتدم في بعض الدول عن أخطاء كارثية ارتكبتها السلطات في وضع مناهج ينقصها التنقيح والصياغة المتطلبتين لجيل متعلّم ممسك بدفة المعرفة من ناصيتها لا عملية لا تعدو كونها مجرد «حشو» لا يسمن ولا يغني من جهل، أمرٌ يهبط بمستوى الإدراك وتغيّب القيم، وتواضع معرفة في دول أخرى تختبئ خلف الشهادات العلمية المتحصلة ما يبرز إلى حيز العلن ظاهرة جد خطيرة تتمثّل في «الشهادات الأكاديمية» التي لا يعرف متحصلها من العلم إلّا النذر اليسير.
في السياق، تشكو دول أخرى من خطر فقدان الهوية والتنازع بين هويتين، ففيما يروّج البعض من المتنفذين لفكرة محاربة المدرسة الأساسية باعتبارها مسؤولة عن إنتاج الإرهاب والاتجاه إلى تطبيق مناهج أخرى غريبة بدعوى تمثيلها أنموذجا للانفتاح والتحرّر.
وبين هؤلاء وأولئك خطا البعض خطوات ملموسة نحو تطوير مناهج التعليم لمواكبة التقدّم في الأساليب والطرق إلّا أنّ الجهود اصطدمت بعقبات كؤود على رأسها ضعف مستوى المعلمين بما لا يمكنهم من العمل وفق المناهج المطوّرة لتخليص العقول من ظلام التلقين إلى نور إعمال العقل بالتحليل والابتكار، والاعتماد على التكثيف في البرنامج العملي أكثر من النظري لاسيّما في العلوم التطبيقية لاسيّما مناهج الحاسوب وغيره من المواد العلمية التي يتطلّب تلقيها معامل مجهّزة.
كارثة
سلم سوداني أربك المنظومة التربوية

جدلٌ متنام وانتقادات من كل اتجاه تتناوش مناهج التعليم في السودان، إذ يرى خبراء تربية سودانيون أنّ ما يدرّس الآن لتلاميذ المدارس لا يعدو كونه «حشو معلومات» دون تنقيح وصياغة، ما انعكس سلباً على مستوى الإدراك والفهم لدى خريجي المدارس وغيّب القيم التي من أجلها يتم وضع المناهج.
الأمر الذي جعل الدولة على أعلى مستوياتها تبحث عن تدارك الخطأ الكارثي الذي وقعت فيه منذ بداية التسعينات، حيث ركزت توصيات مؤتمر التعليم العام الذي عقد في يونيو من العام الماضي على ضرورة معالجة وإعادة صياغة المناهج الدراسية الحالية حتى تعود للتعليم في السودان عافيته.
ويقول الخبير التربوي السوداني د. مبارك يحي في تصريحات لـ «البيان» ، إنّ «المناهج التعليمية في السودان تأثرت بشكل واضح عقب مؤتمر السياسات التربوية الذي عقد بداية العام 1990، الذي فرض سلماً تعليمياً جديداً أفرز عدة مشاكل للنظام التعليمي والمناهج بشكل خاص، إذ قلّص السلم التعليمي من ثلاث مراحل وهي «الابتدائية» والمتوسطة والثانوية إلى مرحلتين بعد قيامه بحذف المرحلة المتوسطة، رغم إثبات كل الدراسات وآراء الخبراء عدم جدوى الخطوة.
ويشير يحي إلى أنّ «المناهج الحالية بها مشاكل كثيرة جداً أبرزها الكثرة حيث وصل عدد المواد الدراسية إلى 17 مادة للفصل في مرحلتي الأساس والثانوي»، لافتاً إلى أنّ «بعض المواد أدخلت وهي في الأساس كانت من قبل أنشطة مثل الدراسات العسكرية التي اقحمت في المناهج، إلى جانب إضافة عدة مواد علمية للمنهج وإعدادها بطريقة غير علمية ولم تصغ صياغة تربوية حيث وضعها علماء لكنهم غير متخصصين في إعداد وتطوير المناهج في مواد مبسّطة».
عيوب مناهج
ويضيف إنّ «أبرز عيوب المناهج التعليمية يتمثّل في حشو المعلومات في المواد، ما تسبّب في ضياع الرسائل التعليمية وسط هذا الركام من المعلومات»، معتبرا إدخال المناهج المحورية عيباً آخر في المناهج وأنّ إدخال عدة محاور في منهج واحد وإدخال عدة مواد في كتاب واحد مع عدم وجود معلمين مدرّبين على تلك المناهج أسهم بشكل كبير في تردي المستويات الدراسية للتلاميذ.
ويلفت يحي إلى أنّ «هناك كثيراً من المواد الدراسية في المنهج المطبّق الآن في السودان تحتاج للمراجعة خاصة وأنّه لا يوجد معلمين مؤهلين ومختصين بتدريس تلك المواد بعد أن تم تحويل معاهد التربية إلى كليات وجامعات»، مردفاً: «اتباع المنهج المحوري أمر متطوّر ولكنه تمّ فرضه دون تدريب وتأهيل للمعلمين».
تدريس نظري
وأرجع يحي تدني ضعف مستويات التلاميذ والطلاب إلى التكثيف في مناهج الحاسوب والمواد العلمية وتدريسها نظريا فقط دون وجود معامل مؤهّلة بالمدارس، مشيراً إلى أنّ «تغيير مناهج تدريس اللغة الانجليزية وتقليصها إضافة إلى تدريسها بواسطة معلمين غير مختصين وعديمي الكفاءة السبب الرئيسي وراء تدهور مستويات اللغة».
ويطالب يحي بضرورة إعادة صياغة مناهج دراسية متطوّرة بواسطة خبراء تربويين وخبراء مناهج متخصصين، وإخضاع المعلمين للتدريب عليها، بغية إخراج المناهج الدراسية من حالة التدهور.
تكفير أخطاء
أدركت الدولة بعد أكثر من عشرين عاماً الأخطاء الكارثية التي وقعت فيها بفرضها سياسات تعليمية لم تخضع لدراسات متأنية تسببت في تدهور مريع في التعليم العام والعالي، إذ عقدت في يونيو 2012 مؤتمرا قومياً للتعليم، تبنت رئاسة الجمهورية توصياته بحسب وزيرة التربية والتعليم السودانية سعاد عبدالرازق والتي كان أبرزها تطوير المركز القومي للمناهج والبحث العلمي حتي يؤدي دوره المطلوب كاملا.
كما تضمنت توصيات المؤتمر بناء محتويات المناهج الدراسية في التعليم العام وتأصيل المعرفة وتكاملها وإعادة تصميم المناهج وفق أحدث النظريات وضرورة مواكبتها التطوّرات المحلية والعالمية.
استمرارصراع التعريب والتغريب في الجزائر

كشف الخبير المتخصص في علوم التربية د. عبدالقادر فوضيل عن أنّ المناهج الدراسية التي فرضت على المدارس في الجزائر منذ العام 2000 تدخل في صميم الصراع الأيديولوجي بين دعاة تغريب المجتمع الجزائري والتيّار الوطني الذي يحاول الحفاظ على مقوّمات الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية.
وأبان فوضيل في تصريحات لـ«البيان»، أنّ «المناهج الجديدة التي شرع في تطبيقها منذ العام 2003 على جميع مراحل التعليم إلى غاية المرحلة النهائية من التعليم الثانوي العام والتقني تحت غطاء إصلاح المدارس الجزائرية، كانت تهدف في الأساس إلى إلغاء التعليم الأساسي المنبثق عن قانون التربية الوطنية الذي وقعه الرئيس الأسبق هواري بومدين عام 1976».
مضيفاً أنّ «دعاة تغريب المجتمع الجزائري المتنفذين في مفاصل السلطة الحاكمة في البلاد يعتقدون ويروجون لفكرة أنّ المدرسة الأساسية هي التي أنتجت الإرهاب في الجزائر وبالتالي وجب محاربتها والعودة لتطبيق المناهج القريبة من المدرسة الفرنسية التي تعتبر نموذجا للانفتاح والتحرّر».
ولفت فوضيل إلى أنّ «وزير الدفاع الأسبق الجنرال المتقاعد خالد نزار، أبلغه شخصيا خلال الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر تسعينات القرن الماضي، أنّ الإرهابيين الذين أنتجتهم المدرسة الأساسية هم الذين يقتلون رجال الشرطة والجيش»، مبيّناً أنه «رد على الجنرال نزار بأنّ رجال الشرطة والجيش هم أيضا نتاج نفس المدرسة ونفس المناهج التعليمية»، فما كان رد نزار سوى القول إنهم أي المجندين تمّ التكفّل بهم وتكوينهم في ظروف أخرى.
تطبيق إصلاح
في السياق، يرى متخصصون أنّ «الخلفية التي كان يتحدث بها الجنرال نزار هي الأرضية التي اعتمدت لتطبيق برنامج إصلاح المناهج التعليمية التي أقرتها الحكومة في العام 2000 تحت رئاسة علي بن زاغو المعروف بمعاداته الشديدة لكل ما هو عربي وإسلامي من منطلق المشكلة الثقافية التي يعانيها هؤلاء.
والتي تتمثّل في أنّ هذا التيّار يحاول منذ الاستقلال التفريق بين العروبة والإسلام، فهم لا يرفضون الإسلام كدين وإنما يرفضونه كثقافة وكمناخ حضاري وكحياة فكرية روحية، وهذا نتاج ارتباطهم بالغرب والثقافة الغربية ما يقف وراء سعيهم قوة لأن تصبح المدرسة تسير في اتجاه متوافق مع الغرب».
سطوة دعاة
وفي إطار برنامج الإصلاح ذاته تخلّت وزارة التربية عما يقارب 60 داراً للمعلمين يعود تاريخ تأسيس بعضها لأكثر من 70 عاما في إطار النواة التي أسستها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رائدة مناهج التعليم الأصلي في الجزائر في محاولة للحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للجزائريين خلال الفترة الاستعمارية.
ويشير باحثون إلى سطوة دعاة المدرسة الغربية الفرانكفونية داخل المجلس الأعلى للتربية الذي استحدث هو الآخر في إطار الإصلاح، مضيفين أنّ «التيار الفرانكفوني الذي يتزعمه بن زاغو، نجح في فرض فكرة التشكيك في قدرة اللغة العربية على تدريس العلوم، وعليه تقرّر تنزيل تدريس اللغة الفرنسية في مناهج التعليم من السنة الرابعة إلى السنة الثالثة من المرحلة الابتدائية».
فشل بناء
ويرى فوضيل أنّ «الجزائر التي استقلت عن فرنسا في العام 1962 فشلت في بناء منهاج تربوي وطني يعوّض النظام الموروث عن الاستعمار الفرنسي الذي عمر في الجزائر 132 عاماً.
وهو الفشل الذي يترجمه التردد في وضع مناهج لها صفات مدروسة تجعلها جزءا من خصوصيات المجتمع الجزائري، على الرغم من المحاولة الأولى التي شرع فيها الرئيس الراحل هواري بومدين في العام 1967 قبل أن يصطدم بصخرة التيار الفرانكفوني داخل الإدارة الجزائرية، الذي نجح في التشكيك في أهمية التوجه الوطني للمدرسة وشرع في العام 2000 في تطبيق تغيير جوهري يهدف إلى تأسيس نظام مدرسي (تعليمي) لا يرتبط بخصوصيات المجتمع الجزائري، متعمدا تجاهل علاج المشاكل الحقيقية والنقائص السابقة المتمثلة في مشكلة إعداد المعلم والمسألة اللغوية، وأسلوب بناء المناهج، التي لم يشملها الإصلاح عن قصد.
أزمة
نظام أردني ينتج شخصية بعيدة عن التفاعل
لا يكف الخبراء التربويون عن اعتبار مناهج التعليم سواء في المدارس أو الجامعات ملفاً يجب النظر إليه بعين الاهتمام والتطوير المستمر تبعاً للتطوّرات الجارية في العالم المعاصر، ساردين الكثير من النقاط التي يطالبون خلالها بالتطوير في الشكل والمضمون مجتمعين.
وبينما يدور حديث هؤلاء الخبراء عن عمليات التطوير ليس غريباً أن تستمع إلى ما يشبه الإجماع في الأوساط التعليمية الأردنية عن انتشار ظاهرة «الشهادة الأكاديمية» في الأردن والتي لا يكاد يفقه حاملها منها إلّا النذر اليسير.
وتقول المعلمة وفاء رضوان: «لدينا حاملي الشهادة وليس حاملي علم، فهم معلمون وضعوا نصب أعينهم الامتحان الأكاديمي وليس العلم الذي يفترض أن يقدموه».
مشيرة إلى أنّ «سبب ذلك يتمثّل في طبيعة المناهج الدراسية التي يعتمد فيها الدارس على أسلوب الحفظ والتذكّر، ومن ثم النسيان بعد الامتحان فتكون النتيجة أصحاب شهادات عالية بمستويات معرفية متواضعة، فضلاً عن أنّ أساليب التدريس التي تعتمد على الإلقاء والتلقين، الأمر الذي ينتج شخصية بعيدة عن روح الحوار والتفاعل سلبية ومرتبكة في أدائها وغير معتادة على العمل بروح الفريق».
تكنولوجيا تعليم
ولعل ما يلفت الانتباه انزياح الكثيرين في الحوار نحو شكل المناهج التعليمية وطرق تدريسها باستخدام التكنولوجيا المعاصرة، رغم وجود العديد من العقبات التي يفترض أن يتم التعامل معها قبل الانتقال إلى الحديث عن «الآي باد» المدرسي.
وفي النقاش الدائر بشأن جدوى المناهج التعليمية التي يجري تطويرها في المملكة على الدوام يقف البعض قائلاً: «صحيح أنّ الكثير من الناس تعيب على المناهج الجديدة سبب واحد وهي أنّها جديدة أي أنّهم لم يعتادوا عليها بعد، لكن في المقابل هناك أيضا عقبة حقيقة أخرى وهي المعلم نفسه، الذي لا يكاد يخرج من الجامعة وهو يمتلك الحد المطلوب منه من العلم تخصص به».
مضمون منهج
ويرى المعلم خضر عبدالفتاح أنّ «أحد أهم أسباب ضعف مخرجات التعليم في الأردن وضعف الطلبة هو مضمون المنهاج الأردني للمراحل الأساسية، رغم أنّنا نسمع الكثير من الحديث والخطب والتصريحات التي تحاول تجميل الواقع».
ويعلق احد المعلمين بالقول: «نسمع عن نشاطات تربوية رسمية وأهلية واحتفالات وغيرها، حتى بتنا نشك بأنّنا لا نعيش في البلد الذي يتحدثون عنه».
بدوره، يصف نقيب المعلمين الأردنيين النائب مصطفى الرواشدة ما يدرسه الطالب بأنّه كتاب مدرسي وليس منهاجا، مشيرا إلى أنّ «الكثير من التعديلات التي تجرى على هذه الكتب شكلية وليست جوهرية»، مستشهداً وللمفارقة بكتاب «التربية الوطنية» للصفوف الأساسية الذي يصفه بأنّه يعمل على تجهيل الطالب بتاريخه وإضعاف انتمائه لأمته ووطنه وليس العكس.
وخلصت دراسة أجراها فريق بحث أردني إلى ضآلة عدد قيم المواطنة التي تضمنتها المقرّرات المدنية والوطنية في الأردن، وحضت الحكومة على مراجعة الكتب الدراسية بصورة دورية.
ويقول ولي أمر طالب آخر: «ابني أنهى الصف السادس وسيرفع للسابع وكتاب التربية الوطنية لم يفتح ولا مرة واحدة».
ولعل ما يدعو إلى القلق برأي خبراء اعتماد وزارة التربية والتعليم على شركات فرنسية وأميركية في صياغة المناهج التعليمية.
بيئة
محاولات تطوير يمنية تصطدم بضعف الكوادر

تشير الأبحاث والدراسات إلى أنّ المناهج التعليمية في اليمن مثلها مثل بقية البلدان العربية يغلب عليها التلقين والاستظهار بدلاً من التحليل والابتكار، والميل إلى النقل بدلاً من العقل، وتضع الطالب أمام مسلمات لا تفسح له مجالاً للتفكير ولا فسحة للنقاش والنقد والتحليل والاستنتاج، لاسيّما في المواد الأدبية والاجتماعية.
وهذا يغذي التعصّب والانحياز إلى أفكار ترسّخ قناعات غير قابلة للحلحلة، علاوة على أنّ المواد العلمية متخلفة عن التحوّلات والتجديد المتسارع في مجال العلوم واستخدام التكنولوجيا.
تطوير تعليم
ويشير مستشار سابق لوزارة التربية والتعليم د. حميد اللهبي إلى إدخال تحسينات وتطوير على المناهج التعليمية خلال العقدين الماضيين من أجل مواكبة التقدّم في أساليب وطرق التعليم، لافتاً إلى أنّ «الإشكال يكمن في أنّ «مستوى المدرسين والمعلمين لم تتطوّر بالقدر الذي يمكّنهم من الاشتغال وفق المناهج المطوّرة».
ويمضي اللهبي إلى القول: «مع مطلع الثمانينات بدأت وزارة التربية والتعليم تركّز على التوسّع في إعداد المعلمين والمدرسين من خلال معاهد المعلمين وكليات التربية بهدف إحلال المعلم اليمني محل المعلمين المعارين من الدول العربية، غير أنّ ذلك التوسّع كان كمياً وليس نوعياً، إذ إنّ الذين التحقوا في تلك المؤسسات كانوا من الطلاب الذين لم تقبلهم الكليات الأخرى.
ومن الحاصلين على معدّلات متواضعة، فيما ذوو المعدّلات العالية التحقوا بتخصصات أخرى، وعندما بدأت التربية والتعليم تستشعر تخلف المناهج التعليمية علمت على تطويرها بالقدر الذي يجعلها إلى حد ما تواكب المتغيرات والتحوّلات التي شهدتها طرق وأساليب التعليم الحديثة، غير أنّ مستوى المدرسين بقي على حاله، ولم يتم تأهيلهم بالقدر الذي يمكنهم من استيعاب الطرق الحديثة في التعليم».
ويضيف: «ومع أن الوزارة وضعت دليل المعلم في كل مادة من المواد الدراسية ولكل مرحلة من مراحل التعليم، إلّا أنّ نسبة كبيرة من المدرسين لم يكن لديهم القدرات ولا الثقافة التعليمية التي تمكّنه من الإحاطة بالمناهج الحديثة، كما أنّهم باستثناء القلة لم يواصلوا قراءتهم ومطلعاتهم من خارج المنهج المقرّر الأمر الذي جعلهم يعيشون في جمود».
بدورها، تلفت الناشطة في المجتمع المدني من منظمة سول فاطمة قحطان، إلى أنّ «في معظم البلدان التركيز ينصب ليس فقط على المناهج وحدها بل وعلى المعلم» مشيرة إلى أنّ «المتفوقين هم الذين يذهبون إلى سلك التدريس لأنهم سيتولون تأهيل أجيال».
عدم مواكبة
وفي السنوات الأخيرة وأمام الإحساس بالمشكلة اتجهت الوزارة والمكاتب والمراكز التعليمية في المحافظات إلى تنظيم دورات تأهيلية وتدريبية للمعلمين، غير أنّ ذلك الاستدراك كما يراه أستاذ التعليم الثانوي طاهر الضراسي لم يحقّق المردود المأمول الذي استهدفته البرامج والخطط المصممة لتجاوز مأزق عدم قدرة مواكبة المعلمين لتطوير المناهج الدراسية لعدة أسباب.
وهي: أن عدد فعاليات التدريب والتأهيل على التعاطي مع المناهج الجديدة لا تتناسب مع الكم الهائل للمعلمين الذين يقدرون بحوالي 240 ألف معلم ومعلمة، نصفهم غير مؤهلين وفقاً للمجلس الأعلى للتعليم في آخر التقارير الصادرة في العام 2011.
ويبيّن الضراسي إلى أنّ هذا الكم يحتاج إلى آلاف الفعاليات المخصّصة لتأهيل المعلمين وهو ما لم يحدث، لافتاً إلى أنّ «الفعاليات الموزّعة على شكل دورات وورش عمل ومؤتمرات وحلقات نقاش من واقع التجربة غالباً ما تكون مددها الزمنية قصيرة وبرامجها غير مكثفة ولذلك يخرج المتدربون بحصيلة لا تمكنهم من اكتساب مهارات وقدرات جديدة».
مراجعة مناهج
وخلص خبراء إلى أنّ مناهج التعليم مثلما تتطلب مراجعة دائمة ومستمرة لا يمكن أن تفضي إلى أي تطور حقيقي في الدرس التعليمي ما لم يكن المدرس قادر على التعاطي المتجدّد مع المناهج المطورة وهو ما يقتضي وضع استراتيجية شاملة لا تقتصر فقط على المناهج وحدها، بل تمتد إلى المؤسسة التعليمية ككل وإعادة تأهيلها على كافة المستويات.

