إجماعٌ مكتملُ الأركان في الدول العربية على تكدّس المناهج الدراسية بالإشكالات وعملها على تجهيل النشء بمخرجات منقوصة غير ملائمة لروح العصر الذي يعيشون وإخراجهم من دائرة العالم المستنير المتطوّر، إذ لا تحقّق فائدة علمية بما تكتنزه من علم نظري لا يعرف إلى «عالم التطبيق» طريقاً بما يشترط من أسلوب حفظ لا يعرف الفهم.
واتفق مُحلّلون على أنّ التحدي الأكبر الذي تشهده الأمة العربية يتمثّل في الوعي في زمنٍ باتت فيه الكلمة الأولى لـ «العلم»، مشيرين إلى أنّ «التعليم يلعب الدور الرئيس في تحقيق التنمية على مختلف الأوجه، والمحك الأساسي في قضية الصراع الدائم من أجل الارتقاء بالفكر العربي ودعمه في مواجهة الطفرة التكنولوجية الهائلة بقيادة الغرب».
ويدق خبراء ومتابعون ناقوس الخطر مما يسمونه الخطر الداهم والمتمثّل في تدني مستوى التعليم والنوعية التعلمية التي يتلقاها التلاميذ ما يخرجهم من سوق العمل ويزيد معدلات البطالة، متوقعين أن تزيد أكثر وأكثر إذا لم يسرع القائمون على أمر التعليم بتغيير السياسات بشكل فوري.
ويلفت الخبراء إلى أنّه يمكن دراسة ذلك ضمن ما يسمى التخطيط التربوي وصعوباته في الوطن العربي، مشيرين إلى أنّ المدارس تواجه في مراحلها الأولى ضعفا وضحالة وبهما يتدرج الناشئ حتى يصل إلى الجامعة وهو غير مؤهل للدراسة الجامعية، ولا تستطيع الجامعات وهو تواجه هذا العدد الهائل من الطلاب الضعاف أن ترسبهم جميعا، بل هي مضطرة وهم في مستوى متقارب إلى أن تعتبرهم جميعاً ناجحين، ويمرون من عام إلى عام حتى يفرغوا من دراساتهم الجامعية وعقلياتهم ليست أكبر من عقليات التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة، فجامعاتنا إذا تمنح شهادات ولا تخرج متعلمين على حد قولهم.
نموذج المعضلة
منظومة التعليم المصرية تواجه 3 إشكاليات

لعل من أبرز الإشكاليات التي تواجه منظومة التعليم في العالم العربي، وفي مصر على وجه الأخص على إشكالية «المناهج الدراسية التعليمية». وفي مصر التي يعتبرها كثيرون نموذجاً حيّاً لتلك المشكلات تبزغ مناهج تعليمية «منقوصة» و«غير ملائمة لروح العصر» باعتراف القائمين عليها باعتبار أنّها لا تحقّق الفائدة العلمية.
أو تلك المناهج التي تقتصر على جوانب نظرية بعيدة عن «عالم التطبيق»، في خضم منظومة تعليمية قائمة على الحفظ دون تشجيع الطلاب على إعمال العقل، ما جعل «الكتاب المدرسي» بوصلة الطالب التي لا يحيد عنها من أجل الحصول على الأرقام الأعلى في الاختبارات الدورية.
وتواجه مصر العديد من المشكلات في المنظومة التعليمية فيما يتعلق بالمناهج، تُلخص في 3 إشكاليات رئيسية، الأولى: عدم مناسبة كثير من تلك المناهج لروح العصر أو للمتغيرات الراهنة والمتطلّبات العالمية والمواصفات القياسية لمناهج تربوية سليمة، فيما تبزغ الإشكالية الثانية .
والتي تتعلق بفكرة تطوير تلك المناهج، لاسيّما في ظل غياب الرؤية حول آليات التعديل الواضحة في ظل مشكلة ثالثة وهي «المتغيّرات السياسية» التي تعمل على عدم إتاحة الفرصة لوضع مناهج تعليمية متكاملة تثري تلك المنظومة.
واستنطقت «البيان» الخبراء والمُتخصصين حول تلك الإشكاليات وسبل التصدي لها والتعامل معها وفق المتغيرات الراهنة، والمواصفات العالمية والدولية للمناهج التربوية السليمة التي تتناسب وكل مرحلة عمرية.
وتشدّد وكيل وزارة التربية والتعليم نادية عبدالمنعم لـ «البيان»، على وجوب الاعتراف أنّ المناهج التعليمية غير مناسبة تمامًا للعصر الحالي ومجرياته وتطوّراته، لافتة إلى أنّ المواد التي تتعلق بالجانب التاريخي تستطرد تفاصيل كثيرة حول أحداث وشخصيات بعينها.
فيما تُهمل بعض الأحداث الأخرى والشخصيات مثل الحملة الفرنسية على مصر التي خُصص لها باب منفرد في كتاب التاريخ بجميع المراحل التعليمية، في مقابل ذلك نرى نبذة بسيطة عن شخصية مثل جمال عبد الناصر والسادات وحرب أكتوبر رغم أن هناك معلومات لا يعرفها الطلاب بالنسبة لتلك الشخصيات والأحداث المهمة في تاريخ مصر الحديث».
وتضيف أنّ «من أخطر الإشكاليات التفرقة بين الطلاب في حصة الدين»، مؤكدةً أنّه «لا يوجد مانع من أن يحضر الطالب المسلم والطالب المسيحي حصة الدين سويًا»، متابعة أنّ «جميع الأديان تحض على التسامح والإخلاص والحب»، متسائلةً: «لماذا نضع دائمًا فجوة بين طرفي الأمة تكبر معهم منذ الصغر؟».
وتلفت عبدالمنعم إلى أنّه «لابد أن يكون هناك خطة استراتيجية واضحة، يقوم على تنفيذها وزارة التربية والتعليم، بحيث يكمل كل وزير تلك الخطة فيما سبقه من قبل، وليس ما يحدث وهو أن كل وزير يأتي يغير الخطة ويبدأ من جديد، فهو تغيير لمجرد التغيير وليس تغيير للأفضل، لذلك لا بد من اختيار كوادر تعليمية ذو ثقة وفكر منهجي لأّن التعليم هو أساس نهضة الأمم».
آليات مناهج
بدوره، يوضح رئيس مجلس إدارة المعاهد التعليمية مدحت مسعود في تصريحات لـ «البيان»، أنّ «وضع المناهج التعليمية يتم عن طريق وضع لجان مختصة في كل مادة من المواد التعليمية، ومناقشة المناهج.
وهل هي مناسبة لفكر الطالب؟ وهل من السهل عليه استيعابها؟ ومدى الفائدة التي سوف تعود عليه من دراستها؟ وهذه اللجان تشكل كل عام قبل الدراسة، وطباعة الكتب لوضع ما هو جديد أو ما هو أكثر فائدة وحذف الأجزاء التي لا يوجد لها فائدة».
وبشأن التطوّرات السياسية وتأثيرها على مجريات التعليم، يرى مسعود أنّ «التعليم يتفاعل مع المجتمع والحركة السياسية لها تأثير مباشر على المؤسسات التعليمية»، مشدّداً على وجوب تغيير المناهج على الجانب الوجداني للطالب وتنمية حب الوطن والولاء له فقط بعيدًا عن أية نزاعات أخرى.
وتفريق الطالب بين الدين كعقيدة والوطن كملك للكل يشتركون فيه جميعاً، مشيراً إلى أنّ على واضعي مناهج الدين والتاريخ الوقوف عند تلك النقطة والتركيز عليها قدر المستطاع كي يتم خلق جيل جديد يستطيع الفصل بين الدين والسياسة.
وأكد على أن تطوير المناهج العلمية لا يقتصر على جانب واحد، سواء نظري أو عملي، ولكن يوجد دمج للجانبين، فهناك منظومة تسمى بالتعليم النشط، تبدأ من مرحلة الإعدادي، وهى البحث عن المعلومات من مصادر أخرى غير كتب الوزارة، التي تسلم للطلاب، وهذه المنظمة مفعلة بالفعل في جميع المحافظات، ولكن لا بد من تدريب المدرسين على تلك المنظومة الجديدة.
ويشدّد قاسم على أنّ الطلبة الآن غير مؤهلين للدخول في أجواء الدراسة بسبب الأحداث الراهنة، التي يسودها الخوف والحزن والقلق، متسائلاً: «كيف نزيد من تلك النفسية المحبطة في المدارس بمناهج تعليمية تتحدث عن السياسة العامة؟!».
مشيراً إلى أنّ «مستويات التعليم لا تقتصر على الحفظ فقط، ولكن هناك مستويات أخرى للتعليم في جميع المراحل التعليمية، والوزارة دائما في صدد وضع خطط استراتيجية للتعليم لا تقل عن خمس سنوات حتى يمكن إصلاح منظومة التعليم».
مشروع تغيير
جدل عراقي مزمن حول المناهج والهوية

«مناهج التعليم» .. شاغلة الساسة والمفكّرين في بلد يشهد خلافات عميقة في النظرة إلى التاريخ، والعلاقة بين التطوّر العلمي والنظرة النمطية لأمور الحياة، أمرٌ استغرق عشر سنوات ملؤها النقاش والبحث أملاً في إيجاد ثقافة تعليمية متوازنة دون التوصل إلى حاسم نتائج.
وإن كان قد تحقّقت بعض التفاهمات، إذ رأى مستشار وزارة التربية العراقية محسن عبد العلي، أنّ «الوزارة ستنتهي من تغيير المناهج الدراسية خلال ثلاث سنوات بعدما أنجزت تغيير 80 في المئة حتى الآن.. إلّا أن «عقدة المنشار» تكمن في الـ 20 في المئة المتبقية.
ويؤكّد عبد العلي أنّ «الوزارة متجهة نحو تحديث المناهج وتطويرها لمواكبة التطوّر في العالم»، مشيراً إلى أنّ «العمل في تغيير المناهج شرع به بعد العام 2003، وواجه مشاكل عديدة، في مقدمها العامل الطائفي الذي كان أحد المعوقات الأساسية بوجه التغيير».
بدوره، يرى عضو لجنة التربية في مجلس النواب علاء مكي، أنّ «استراتيجية تغيير المناهج شهدت عملا كبيرا سواء في مناهج التربية أو التعليم العالي، على الرغم من تعثّرها في البداية، وأنّ «الإشكالات الكبيرة التي واجهتها عملية تغيير المناهج كانت في مواد التاريخ واللغة العربية والتربية الإسلامية، فضلا على مادة الجغرافيا بسبب حدود العراق».
ويضيف مكي أنّ« إشكالية كبيرة برزت عند البدء في تغيير المناهج، متمثّلة في تناول المسائل الدينية الخاضعة لاجتهادات المذهبين السني والشيعي»، لافتاً إلى أنّ «المناهج التي تخص العلوم الإنسانية والمناهج العلمية التي تحتاج إلى مواكبة التطور العلمي في العالم، لم تكن حولها خلافات ذات شأن كبير».
ويرى المتابعون للشأن التربوي أنّ «الجدال حول العلاقة بين الهويّة والمناهج الدراسيّة في العراق ليس جديداً بل قديمٌ قدم الدولة العراقيّة، فإشكاليّة الهويّة كانت في صلب عمليّة بناء الأمّة في العراق.
وكان من الطبيعي أن يغدو موضوع المناهج الدراسيّة خلافياً وذا بعد سياسي، لأنّ الصراع الاجتماعي- السياسي كان يجري بصورة رئيسيّة حول تعريف الهويّة العراقيّة وعلاقتها بالهويات الأخرى: العربيّة والكرديّة والإسلاميّة والسنيّة والشيعيّة».
جمود مناهج
وحسب الباحث الأكاديمي نجاح العلي فمن غير المنطقي والمقبول في ظل ثورة المعلومات التي يعيشها العالم أن تظل مناهج التعليم في العراق جامدة وغير متطوّرة باعتمادها على أسلوب التلقين في منهاج وضع منذ عشرات السنين ومازال دون تطوير باستثناء طباعته الحديثة مع بقاء المضمون.
ويشدّد متابعون للشأن التعليمي على وجوب أن تضع المؤسسات التربوية في أولى أهدافها مسألة الاهتمام بالثورة المعلوماتية والاسترشاد بها في إجراء تعديل وتغيير مناهج التعليم وتحديثها باستمرار بالاعتماد على الخبراء والكفاءات العراقية والأجنبية من خلال التبادل المعرفي والاطلاع على مناهج التعليم العربية والأجنبية والاستئناس بتلك التجارب والحذو حذوها مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية المجتمع العراقي.
إدخال تكنولوجيا
بدورهم، يرى خبراء أكاديميون، أنّ «الخطوة الأولى في مسار عملية تغيير المناهج وتطويرها هي عملية مهمة وخطرة بحاجة إلى دراسة دقيقة وموضوعية من قبل خبراء مختصين لهم باع طويل في هذا المجال، تتمثّل بإدخال التكنولوجيا الحديثة إلى العملية التربوية .
وبشكل واسع وخاصة في المرحلة الابتدائية باستخدام مستلزمات التربية الحديثة والمتطوّرة التي تساعد الطالب على التعرف على الأجهزة والبرامج الحديثة الخروج من العزلة التي تعانيها مناهج التعليم على شكل محاضرات وكتب أكل الدهر عليها وشرب، لافتين إلى أنّ «تداعياتها المبكّرة ستعرض التعليم في العراق إلى أزمة حقيقية تزيد الفجوة الحضارية بين العراق والعالم».
وبحسب مراقبين فإنّ من الممكن تخطّي نقاط الخلاف المعرقلة لعملية التغيير أو تناولها بشكل معتدل لا يظهر التاريخ العراقي والعربي والإسلامي بالوجه المظلم وإنما بالوجه الحضاري وبما قدمه للبشرية من منجزات أسهمت في تطورها ويشيع روح التعاون والتمازج وتبادل المعرفة والتقدّم.
الشكل والمضمون
ظاهرة أردنية.. حملة شهادات أكاديمية لا حملة علم

لا يكف الخبراء التربويون عن اعتبار المناهج التربوية سواء الجامعية أو المدرسية ملفاً يجب النظر إليه بعين الاهتمام والتطوير المستمر تبعا للتطوّرات الجارية في العالم المعاصر، ساردين الكثير من النقاط التي يطالبون خلالها بالتطوير وتتعلق سواء بالشكل أو المضمون.
إجماع
وبينما يدور حديث هؤلاء الخبراء عن عمليات التطوير ليس غريبا أن تستمع إلى ما يشبه الإجماع لدى الأوساط التعليمية الأردنية أنّ ظاهرة الشهادة الأكاديمية انتشرت في المملكة والتي لا يكاد يفقه حاملها منها إلّا النذر اليسير.
ووفقاً لذلك يمكن فهم ما تقوله المعلمة وفاء رضوان: «لدينا حاملي الشهادة وليس حاملي علم، فهم معلمون وضعوا نصب أعينهم الامتحان الأكاديمي وليس العلم الذي يفترض أن يقدموه».
وتشير رضوان إلى أنّ «سبب ذلك هو طبيعة المناهج الدراسية التي يعتمد فيها الدارس على أسلوب الحفظ والتذكر ومن ثم النسيان بعد الامتحان، فتكون النتيجة أصحاب شهادات عالية بمستويات معرفية متواضعة»، فضلاً عن أساليب التدريس التي تعتمد على الإلقاء والتلقين، الأمر الذي ينتج شخصية بعيدة عن روح الحوار والتفاعل سلبية ومرتبكة في أدائها وغير معتادة على العمل بروح الفريق.
ويرى مراقبون أنّ «ما يلفت الانتباه انزياح الكثيرين في الحوار نحو شكل المناهج التعليمية وطرق تدريسها باستخدام التكنولوجيا المعاصرة، رغم وجود العديد من العقبات التي يفترض ان يتم التعامل معها قبل الانتقال إلى الحديث عن «الآي باد المدرسي».
ويقول المعلم خضر عبدالفتاح إنّ «أحد أهم أسباب ضعف مخرجات التعليم في الأردن وضعف الطلبة هو مضمون المنهاج الأردني للمراحل الأساسية، رغم أنّنا نسمع الكثير من الحديث والخطب والتصريحات التي تحاول تجميل الواقع».
ويعلق احد المعلمين بالقول: «نسمع عن نشاطات تربوية رسمية وأهلية واحتفالات وغيرها، حتى بتنا نشك أنّنا لا نعيش في البلد الذي يتحدثون عنه».
ويصف نقيب المعلمين الأردنيين النائب مصطفى الرواشدة ما يدرسه الطالب بأنّه كتاب مدرسي وليس منهاجا، مشيراً إلى أنّ «الكثير من التعديلات التي تجرى على هذه الكتب شكلية وليست جوهرية».
ويستشهد الرواشدة بكتاب «التربية الوطنية» للصفوف الأساسية الذي يصفه بانه يعمل على تجهيل الطالب بتاريخه وإضعاف انتمائه لأمته ووطنه، وليس العكس.
دراسة
وخلصت دراسة أجراها فريق بحث أردني إلى ضآلة عدد قيم المواطنة التي تضمنتها المقرّرات المدنية والوطنية في الأردن، وحضّت الدراسة الحكومة على مراجعة الكتب الدراسية بصورة دورية.
ويشدّد أحد أولياء الأمور على ضرورة إعادة النظر بمناهج التربية الوطنية والثقافة العامة التي تعمل على إلغاء العقل لصالح مفاهيم غير علمية لا تساعد على تطوير ملكة التفكير النقدي لدى الطلاب بل القبول بكل ما هو مطروح في دراسة لشخص تمثّل وجهة نظره فقط، مشيراً إلى أنّ «الأصل انفتاح الطلاب خاصة في مجال الدراسات الفلسفية والتاريخية على مختلف وجهات النظر والا سيتحول الطالب الى عقل يحفظ ولا يستخدم باقي المهارات العقلية».
بينما يقول ولي امر طالب آخر: «ابني أنهى الصف السادس وسيرفع للسابع وكتاب التربية الوطنية لم يفتح ولا مرة واحدة». ولعل ما يدعو للقلق برأي متابعين اعتماد وزارة التربية والتعليم على شركات فرنسية وأميركية في صياغة المناهج التعليمية في المملكة، بدلاً من إشراك المعلمين والمشرفين بالتأليف، فيما تستعين الشركات الخاصة الأجنبية بمؤلفي مناهج أردنيين.
