تملؤه الحيرة واضعاً يده على خده، لا ابتسامة بل سحابة حزن تعبر ملامحَ الوجه العبوس والدموع تقطر، ليس حزناً على حال بلاد مزّقها الانقسام في الصراع الدائر بين السلطات في مصر وجماعة الإخوان المسلمين وما رافق الأحداث من سقوط مئات القتلى والجرحى، تكتشف عند اقترابك منه والحديث إليه أنّ سبباً آخر يقف وراء سحب الهموم، فعدد ليس بالقليل من المصريين من معدومي الدخل الثابت، أو من يقتاتون قوتهم يوماً بيوم، إنّه أحد المتضرّرين من طول فترة حظر التجوّل والذين بات حصولهم على ما يسد الرمق رفاهية لا تحقّق دائماً يعود معها هؤلاء إلى البيوت بأيدٍ خاوية حتى من رغيف خبز.
تأثر أوضاع
ومع فرض حالة الطوارئ وحظر التجوال، بات تأثير هذه القرارات على الأوضاع الاقتصادية والتجارية واضحاً أمام الكل، لاسيّما بين هذه الطبقة من كارهي حظر التجوال من أصحاب المحال والعاملين باليومية والعمال الذين أخذت بعض المحال الاستغناء عن نصفهم أو إعطاء بعضهم إجازة، أو على أقل تقدير منح العمال نصف راتبهم في مقابل ألا يتم الاستغناء عن أحدٍ منهم، حتى تستقر الأوضاع وتعود حالة البيع والشراء إلى ما كانت عليه قبل الحظر، إلى جانب الباعة الجائلين الذين كانت ساعات الليل .
خاصةً في مثل هذا التوقيت من العام، حيث شهور الصيف تمثل لهم باب رزق يسترزقون خلالها ببيع الترمس والذرة وغيرها من مواد التسالي في المنتزهات والأماكن العامة وعلى كورنيش النيل، فقد بدت القاهرة تلك المدينة الساهرة التي لا تنام، وكأنها مدينة لا تغيب عنها الأفراح لتصبح سرداق عزاء كبير خيم الحزن على أركانه، فباتت مجبرة على إطفاء أنوارها لشهر كامل هي طول مدة حظر التجوال، ما أضر اقتصادياً بالمحال التي تقع في مناطق وسط البلد.
روايات متضرّرين
يروي البائع الجائل الحاج محمد عبدالمطلب القصة عن بدء عمله ويومياً بعد السادسة مساء ليكسب قوت اليوم من بيع الترمس والحمص على كورنيش النيل، أمرٌ أضحى إلى الاستحالة أقرب في ظل حظر التجوّل ما اضطره إلى الخروج بعربته بحثاً عن الرزق نهاراً، لكن الكسب لا يساوي نصف ما كان يكسبه ليلًا.
ويبيّن جابر طلب العامل بمحل بيع ملابس، أنّ «حالة البيع والشراء متوقّفة تماماً مقارنةً بحالة البيع في مثل هذه الأيام من كل عام»، مشيراً إلى أنّ «البعض يخشى النزول إلى مناطق وسط البلد خوفاً من حدوث ما لا يحمد عقباه ما ولّد شعوراً جماعياً بالاكتئاب».
ويشكو «عامل اليومية» كريم السيد ضيق ذات اليد التي عزّزها طول أوان الحظر، كاشفاً عن أنّه يحصل على «رزق اليوم باليوم» نتاج عمله في منطقة العتبة، مؤكّداً أنّ عمله يشتد بعد هدوء حرارة الجو وكان يعود إلى بيته قبل أذان الفجر، لكن حظر التجوّل فرض عليه العودة إلى البيت قبل دخول أوان الحظر وإنْ لم يستطع جلب شيء للبطون الخاوية.
«وقف حال»
يشير سمير أنور «عامل» إلى الضغوط التي تتناوش أسرته حالياً في ظل ما تشكوه من شح مال، يفترش صباحاً الأرض ومعه معدات الهدم في أحد الميادين الكبرى بانتظار طالبي عمال الهدم أو حمل شيء ثقيل، لا يقف في وجه ذلك إلّا حظر التجوّل الذي آن أوانه قبل أنّ يستطيع إنجاز عمل يدر عليه ما يقتات به أفراد أسرته المنتظرون.
