«فوضى الفتاوى» ظاهرة مُريبة تفشّت وتمثّل خطرًا حقيقياً على الأمة الإسلامية في ظل انتشارها ورواجها بشكل مكثّف، تزامنًا مع انتشار وسائل الاتصال والانترنت، وقيام دعاة غير شرعيين بنشر فتاواهم المتعلّقة بأمور تخص الدين الإسلامي الحنيف، وهي الظاهرة التي استنكرها كل العلماء وحذّروا منها مرارًا وتكرارًا، لكنها مُستمرة إلى الآن وسط جدل دائم يلاحق فكرة اقتصارها على مؤسسات رسمية منعًا من نشر مفاهيم خاطئة عن الدين الإسلامي الحنيف.

وعلى الرغم من أنّ فكرة وقف الفتاوى على مؤسسة دينية بعينها هي فكرة لاقت استحسان الكثيرين، إلّا أنّها ظلت مُحاطة بهالة من الجدل الدائم بسبب تخوّفات البعض من إمكانية أن تقع تلك المؤسسات فريسة هيمنة الدول عليها أو خضوعها للسياسيين أو تعبيرها عن فصيل واحد بعينه، ومن هنا تظهر الإشكالية الدائمة بين فتاوى من يطلق عليهم الدعاة غير الرسميين، وهي فتاوى تسمى بـ «فتاوى السوق السوداء»، وفتاوى المؤسسة الرسمية المنوطة بذلك وسط جدل فقهي ومجتمعي بارز.

ثقة أمة

ويرى أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر د. أحمد كريمة في تصريحات لـ «البيان»، أنّ «هناك شبهات وانتقادات وشائعات تدار حول مؤسسات الفتوى الرسمية لكن لا يجب أن يتم تصديقها»، معتبرًا أنّ «تلك الشائعات التي تدفع بإمكانية تسييس تلك المؤسسات لكونها مؤسسات تابعة للدولة هادفة في الأساس للنيل من المؤسسة الدينية، بالتالي فإنّه يجب غض الطرف عن كل تلك الأمور وأن يثق الناس في مؤسسة الفتوى الرسمية امتثالاً للأوامر الربّانية».

ويضيف كريمة أنّ «الأفكار التي تروج بشأن أنّه لو تمّ قصر الفتوى على جهات بعينها سوف يتم تسييسها هي «كلام فارغ»، وعادة ما يكون أصحابها من غير الجهات الرسمية أو من غير العلماء والباحثين عن دور، والراغبين في السماح لهم بالإفتاء»، قائلاً: «يجب أن يثق الناس في علمائهم ومشايخهم ويجب أن يؤمنوا بأنّ العلماء لن يبيعوا أنفسهم لسلطة أو لساسة، بالتالي فهم الأحق بالإفتاء كي لا يقع المسلمون ضحية لدعاة غير مؤهلين تأهيل شرعي معتمد من الأزهر الشريف أو المؤسسات الرسمية».

ولعل ما زاد من حجم الإشكالية المتعلقة بالفتاوى الانتشار الكبير لوسائل الاتصال والتواصل وبزوغ نجم كثير من الدعاة الجدد، وسط جدل حول العلم الشرعي الذي تلقونه وهل ما إذا أتموا ذلك العلم أم لا؟، وهل ما إذا كانوا مؤهلين للفتوى أم أنّهم يعتمدون في الأساس على ما لديهم من سرعة إقناع تسهل مأمورية إقناع الناس، لكنها ربما تنشر مفاهيم غير إسلامية أو يجانبها التوفيق ما إن لم يكن المفتي أو الداعية قد أتمّ علمه الشرعي.

فتاوى هدّامة

من جهتها، أوضحت أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف د. آمنة نصير، أنّه «يجب اقتصار الفتاوى على مجموعة العلماء والمتخصصين في شؤون الدين مثل علماء الأزهر الشريف، وهناك يبرز دول المواطن نفسه الذي عليه أن يتوخى الحذر، ويراجع ذاته بشأن الفتوى التي حصل عليها، ويتأكد من مصدرها ومن كون المفتي متخصصًا في شؤون الدين وعالمًا أم لا؟»، لافتة إلى حديث الرسول الكريم (ص): «من أُفتيَ بغير علم كان إثمه على من أفتاه». وتشير نصير إلى أنّ «هناك العديد من الفتاوى الهدّامة التي انتشرت بين الناس بسبب ضلوع عدد من غير المختصين وغير العلماء في نشرها والإفتاء بها، وللأسف يصدقهم بعض العامة ويثقون فيهم وهذا بخلاف الدعاوى البناءة التي تخرج من علماء الدين الموثوق فيهم، وعلماء معروفين».

اقتصار فتاوى

 

شدّد عميد كلية الشريعة والقانون الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية د. محمد رأفت عثمان على ضرورة اقتصار الفتوى على العلماء وأصحاب العلم الشرعي، وألّا يترك الباب مفتوحًا أمام الدعاة الذين لم يتم تأهيلهم تأهيلاً شرعيًا، لأنّ بعض فتاواهم تسهم في اختلاط الأمور على المسلمين، وربما تشويه صورة الدين في نظرهم بسبب خروج بعض الفتاوى غير المقبولة من هؤلاء.

وأكّد عثمان على أن الجهات المتخصصة المنوط بها الفتوى يجب أن تقتصر على مجمع البحوث الإسلامية ودور الإفتاء في كافة الدول العربية الإسلامية وعلماؤهم، فهم المعنيون في الأساس بإصدار أي فتوى للأمة.