ضرب إقليم دارفور السوداني مع الموت موعداً منذ أعوام، كأنّ بينهما عهداً وميثاقاً غليظاً، فخلال عشر سنوات مضت حصدت الحرب المشتعلة عشرات آلاف الضحايا، وما إن تهدأ وتيرة الحرب قليلا إلّا وتعود للارتفاع بشكل آخر وتزهق آلاف الأنفس جراء الاقتتال القبلي الذي لم يترك قبيلة إلّا وأذاقها مرارة الموت، كيف لا وكل محفزات القتل متوفّرة فالسلاح منتشر بكافة أنواعه وسيادة حكم القانون غائبة تماماً حتى في بعض المدن الكبيرة المسيطرة عليها من قبل الدولة، وما إن يعقد مؤتمر للصلح إلّا وانفض قبل أن يجف حبره.

ورغم أنّ الصراعات القبلية في عموم السودان ليست بالظاهرة الجديدة، إلّا أنّها في دارفور اتخذت مناحي أخرى بعد أن طالت الحرب كل بيت وباتت ثقافة العنف هي السائدة في الاقليم، ولم يعد الاقتتال القبلي هو ذاك الذي يعتمد علي السلاح الأبيض ويكون بين قبيلة وأخرى، وإنّما في الوقت الحاضر امتلكت القبائل الاسلحة بكافة أنواعها وتسلّل الصراع إلى داخل «بطون القبائل»، وأصبح هاجساً يؤرّق مضاجع الدولة على أعلى مستوياتها بعد فشلها في جمع السلاح من أيادي المواطنين وفرض هيبتها علي الإقليم، إذ أقرّت الحكومة بعجزها خلال الفترة الماضية عن معالجة الأزمة التي اتهمت أيادٍ خارجية بالتورط في تأجيجها، كما ورد في تصريحات للرئيس عمر البشير خلال مخاطبته إفطار رمضاني أقامته السلطة الإقليمية لدارفور.

حيث أشار إلى أنّ حكومته فرّطت في سماحة أهل دارفور وسماحة الأعراف التي تحكمهم، وقال إنّ الدماء التي اريقت في دارفور أسبابها لا تستحق ذبح خروف ناهيك عن قتل النفس، ووعد البشير بأن يقدّم مؤتمر التعايش السلمي المزمع عقده في دارفور خلال الفترة المقبلة حلولاً للازمة، ولم يخفي البشير اتهامه لعنصر ثالث لم يسمه وصفه بالمخرّب الذي يثير النعرات.

تورّط حكومة

غير أنّ الناطق الرسمي لحركة العدل والمساواة أكبر المجموعات المتمرّدة في دافور جبريل آدم بلال اتهم في تصريحات لـ «البيان» الحكومة السودانية بالوقوف وراء ما أسماه المجازر القبلية في الإقليم، لافتاً إلى أنّ «الأجهزة الأمنية الحكومية في دارفور تمثّل الداعم لكل الأطراف المتصارعة بالسلاح والعتاد العسكري»، مضيفاً: «ما يؤكد ذلك وجود العربات العسكرية والاسلحة والذخائر الحكومية بيد الأطراف المتناحرة إنه لأمر محزن أن يموت الناس في دارفور بهذا الشكل، وحقن دماء القبائل في دارفور مرهون بزوال النظام الحاكم في السودان بكل الوسائل باعتباره المتسبّب الرئيسي لها».

انتشار سلاح

بدوره، يصف والي شمال دافور عثمان يوسف كبر الأوضاع في الإقليم بـ «المعقّدة جداً»، مشيراً إلى أنّ «العامل الأساسي لإذكاء الصراع القبلي يتمثّل في انتشار السلاح وسط المواطنين»، مضيفاً: «وهو ليس بالسلاح التقليدي ولا حتى البنادق الآلية بل المواطنون يملكون مدافع وعربات مسلحة، وبسط هيبة الدول في الإقليم هي أهم خطوات استتباب الأمن في الإقليم».

 

أمراء حرب

 

قال الناطق باسم المؤتمر الوطني الفاتح الحسن في تصريحات لـ «البيان»، إنّ «العوامل التي أسهمت في ارتفاع وتيرة الصراع القبلي في دارفور كثيرة ومتشعبة غير أنّه يرى أنّ ظهور أمراء الحرب والمستفيدين من اشتعال النزاعات القبلية أبرز العوامل التي زادت من حدة الاقتتال في أوساط قبائل دارفور بجانب انتشار ثقافة العنف والغياب الكامل للدولة في الكثير من مناطق دارفور فضلا عن انعدام سيادة حكم القانون، مشيراً إلى أنّ «الحرب المشتعلة في الاقليم ووجود الحركات المتمردة في مكان واحد أدى إلى إحياء المرارات التاريخية فيما بين تلك القبائل.

ويشير الحسن إلى أنّ كل تلك العوامل أغرت القبائل الكبيرة على الاستيلاء على أكبر قدر من الاراضي و«الحواكير» التي تخص المجموعات الصغيرة بزعم أنّها مجموعات لديها حقوق اصيلة في تلك الأراضي، لافتاً إلى أنّ «إقامة مشروعات تنموية واستيعاب جيوش العطالة من الشباب واحد من أهم معالجات الأزمة».