اعتاد المصريون أن للمسجد دوراً تنموياً رائداً، إذ تقع على عاتقه مهمة الدعوة، ونشر الفكر الوسطي للإسلام بين الناس، ومواجهة الفكر المتطرف أو من يطلق عليهم اسم «دعاة الفتنة»، عبر عظات ودروس علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، وقد شكّل المسجد الجزء الأهم والأبرز في حياة كثير من المبدعين والمثقفين في مصر في حقبة سابقة، لكن هذا الدور الدعوي والتنموي للمسجد ظل يتضاءل إلى أن اختفى نهائياً نتيجة الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده مصر، ليصبح دور المسجد السياسي أعمق من دوره الدعوي، تاركاً المسلمين وجبة دسمة لدعاة الفتنة والتطرف!
ويؤكد علماء الدين أن المسجد في مصر خرج عن مهمته الأساسية والرئيسية من العبادة والدعوة الإسلامية إلى أمور الدنيا والسياسة، وهو من أهم الأخطار التي تهدد مكانة دور العبادة في مصر.
تأثير سلبي
ومن جانبه، يرى عضو مجمع البحوث الإسلامية السابق الداعية محمد الشحات الجندي أنه خلال الآونة الأخيرة وما شاهدته البلاد من تطورات سياسية أثر بالسلب على الدور الرئيسي للمساجد. وأضاف في تصريحات لـ «البيان» أن «المسجد في الدين الإسلامي عندما أنشأه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الهدف منه العبادة والتعليم، فكان المسلمون يذهبون للمسجد؛ لتعلم شرائع الإسلام وأحكامه، كما أنه كان المكان الذي يبث من خلاله الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديثه الشريفة»، يتابع الداعية الجندي القول إنه «خلال الأيام الحالية رأينا كماً كبيراً من الاختلافات التي وصلت إلى التشاجر داخل المساجد بسبب خلافات في أمور سياسية أو غيرها».
حرمة المساجد
كما يؤكد أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر د. أحمد كريمة أن للمساجد حرمة، ومن هذه الحرم ألا يسل فيها السيف بمعنى ألا يحدث داخلها إراقة دماء لأحد، وألا يرفع فيها الصوت لغير الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك ألا يشهد المسجد نزاعاً بين أحد.
وأضاف لـ «البيان» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديثه الشريف «يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى مِنَ الإِسْلامِ إِلا اسْمُهُ، وَلا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلا رَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ، وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَفِيهِمْ تَعُودُ».. ولهذا فهو يرى أن للمسجد رسالة سعى خلال ظهور الإسلام إلى القيام بها، وهي نشر الدين الإسلامي ومبادئ الشريعة والتسامح وسنة رسولنا الكريم، وهو ما ساهم في نشر الدعوة الإسلامية ما بين الغرب عندما شاهدوا أن الإسلام دين التسامح والحسنة الطيبة أما خروج المسجد من هذه الرسالة لأمور الدنيا والمشاركة في الشؤون السياسية التي من شأنها زيادة حدة الخلافات بين المسلمين بعضهم بعض فهذا حرام، ولا يجوز.
رسالة تسامح
أما أحد أئمة الأزهر الشريف الداعية عبدالحميد محمد، فأكد أنه قديماً كان للمسجد رسالة تسامحية دعوية إسلامية كان يسعى لنشرها ما بين الناس فالمساجد لله، ولا يجوز الخروج عن هذا الإطار؛ لأنه من شأنه زيادة الخلافات ما بين المسلمين، وأضاف لـ «البيان» أنه يجب عدم السماح بتسييس مساجد الله، قائلاً: «لقد رأينا شيخاً يطرد مصلياً من مسجد؛ لاعتراضه على تناول الخطيب للأمور السياسية في أثناء خطبه الجمعة، ورأينا شيخاً يعتدي على امرأة؛ لانتقاده في الأمور نفسها، وبالتالي فإن مثل هذه الأمور تساعد على إثارة الفتنة ما بين الناس وحرام شرعاً».
وكانت حركة أئمة بلا قيود التي تم تأسيسها على يد مجموعة من أئمة الأزهر الشريف قد دعت خلال بيان رسمي لها لرفض تسييس مساجد الله، مؤكدة أن الهدف من الحركة هو إبعاد المساجد والمنابر عن الصراعات السياسية والحزبية، كذلك النهوض بكرامة الإمام وحقوقه وإعطائه حصانة.


