"من همه تزوج بواحدة في سن أمه"، هذه بعض الكلمات التي باتت تتردد في الشارع العربي تعليقاً على ما يطلق عليه بـ "زواج المصلحة" أو ما يسمى بزواج النساء الطاعنات في السن، من شباب أصغر منهن، وهي ظاهرة بدأت تنتشر بصورة كبيرة، وفقاً لعوامل مجتمعية عدة، أبرزها انتشار الفقر، وارتفاع تكاليف الزواج. فإذا كانت مثل هذه الأمور يلفظها المجتمع، فما هو موقف الدين منها والذي يراعي عنصر التكافؤ بين الزوجين حرصاً على استقرار الأسرة والمجتمع المسلم؟
يروي المدرس أمير حامد "26 سنة" قصة زواجه قائلاً زوجتي تكبرني بـ13 عاماً، لكنني لا أشعر بالفارق بيننا، فقد تزوجتها لما لمسته فيها من رحمة ومودة، وصورة للزوجة والأم والحبيبة، فأردت أن أكسر منظومة الزواج التقليدية في مجتمعنا، وأن أتحدى معها المجتمع وتقاليده التي تتجاهل التعاليم الدينية، ولم أجد غضاضة في ذلك من الناحية الشرعية، فالنبي تزوج السيدة خديجة وهي أكبر منه كثيراً في السن. وهناك العديد من الأمور التي يرفضها المجتمع لكنها مقبولة دينياً. وتختلف الباحثة هبة الله علي "41 سنة" مع رأي أمير بقولها: "نظرة المجتمع مهمة في أمور الزواج، وعلينا جميعاً الرضوخ لها، وهي من تقاليد أهلنا الكبار، وهم أكثر دراية منا بشؤون الحياة".. وعليه أرفض مثل تلك الزيجات، ففيها عدم تكافؤ بين الطرفين، ما يجعل حياتهما بلا تفاهم، وقد يدفع فارق السن الزوج إلى خيانتها مع أخرى صغيرة، يجد عندها ما يبحث عنه، معنوياً أو جنسياً.
فالزواج مؤسسة رأسمالها الحب والتفاهم المتبادل، ولا يمكن أبداً أن يكون أحد طرفيه ناضج عاطفياً، والآخر طائشاً ولا يتخذ القرار المناسب في وقته المناسب. وارتفاع معدلات العنوسة في المجتمع قد يفرز هذه النوعية من الزيجات.
وقال الموظف أحمد مرتضى "30 سنة" تلك النوعية من الزواج أبرز شروطها وجود قاعدة مشتركة من الود والحب، وأن يكون الزوج متمتعاً برجاحة العقل ليتعامل مع زوجته ليلتقيا معنوياً وفكرياً. والزواج لا يهين الرجل مطلقاً، إلا أن عادات وتقاليد مجتمعاتنا هي من تعيبه وتدينه، وهو زواج على سنة الله ورسوله وغير مخالف للشرع ولا الدين.
رأي الدين
ونوّه الداعية الإسلامي الشيخ يوسف البدري، أن الإسلام لم يحرم زواج المرأة من رجل أصغر منها، خاصة والرسول الكريم "ص" قد تزوج من السيدة خديجة بنت خويلد وهي في الأربعين، بينما عمره وقتئذ 25 عاماً، ولم يمنع الفارق توطيد أواصر الحب والتفاهم بينهما، فكانا أفضل الأزواج على مدار التاريخ كله. والمطلوب فقط وجود نوع من التكافؤ والانسجام في الأفكار والرؤى، فضلاً عن الانسجام النفسي؛ كي يستطيع الزوجان مواصلة حياتهما، وتحدي ظروف المجتمع التي تواجههما.
ويرى الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية علي عبدالباقي أن هذه النوعية من الزيجات باطلة؛ لأنها تهدف في الأساس إلى الكسب المادي من الزوجة، ما يعني أنه زواج مصلحة، كالزواج من امرأة أجنبية أكبر سناً؛ ليحصل من خلالها على جنسية بلدها.
فكرة شائكة
وتؤكد أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس دكتورة فؤادة محمد، أن فكرة زواج المرأة من رجل أصغر منها فكرة شائكة في المجتمعات العربية، فالدوافع الأساسية للرجل من زواجه بامرأة أكبر منه، قد يكون طمعاً في جمالها أو مالها أو منصبها. وهناك حالات نادرة جداً في المجتمع تتمثل بالحب والاحتياج المتبادل، ما يدفعهما إلى زواج يرفضه المجتمع ويتحملان هما عواقبه الوخيمة، والمجتمع يحكم عليهما مسبقاً بأنه زواج مصلحة ودافعه الطمع.
وهناك مسألة مهمة، فارتفاع تكاليف الزواج وتصاعد سن العنوسة عند المرأة والرجل أيضاً، قد يقلل فرص الزواج، ويفرز مثل هذه النوعية من الزيجات التي ينظر لها بسلبية، رغم انه يضيق الخناق على الراغبين في الزواج بشروط الأهالي التعجيزية للموافقة عليه .
وأوضح استشاري الطب النفسي دكتور هاني السبكي، أن زواج المرأة من رجل أصغر منها سناً "مأساة" اجتماعية، والنتيجة أن يعيش الزوجان في تعاسة دائمة، ويمكن نجاح زواج الفارق الكبير، بشرط أن يكون الرجل على درجة عالية من النضج.
وتفاوت السن بشكل كبير يفرز الكثير من المشكلات ،ويؤثر على المجتمع سلبياً، وينتج عنه زيادة كبيرة في نسب الطلاق، وخطره أكبر عندما ينتج أطفالاً، لأنهم سيتعرضون إلى حياة عنيفة وغير مستقرة ومليئة بالمشكلات الأسرية والتوترات.


