كان مشهد الخلاف الحاد داخل المجلس الوطني التأسيسي التونسي في جلسته الأخيرة، لمناقشة مشروع الدستور الجديد، تعبيرا عن حالة الاحتقان وحجم الخلافات السياسية والتجاذبات الحزبية والاستقطاب الثنائي بين طرفي المعادلة في البلاد، حركة النهضة الإسلامية التي تقود الائتلاف الحاكم وحلفائها، وتيارات المعارضة اليسارية والليبيرالية والتقدمية التي تقودها الجبهة الشعبية والتحالف من أجل تونس. وشهدت البلاد منذ أشهر جدلا واسعا حول الانتخابات المنتظرة، وحالة من القلق ساورت الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشارع، من أن تؤدي المماطلة في تحديد موعد الانتخابات، لنسف عملية التحول الديمقراطي، والعودة مجددا إلى هيمنة حزب واحد على السلطة، ويخفي مخطط حركة النهضة لأخونة الدولة وتحويل الدمقراطية الناشئة الى ديكتاتورية.
ويرى المراقبون أن التأخير المتعمّد في صياغة الدستور والقانون الانتخابي وتشكيل الهيئة العليا للانتخابات، كلها عوامل تمثّل عقبات أمام تحديد موعد الإنتخابات قبل نهاية العام الحالي، رغم وعود الرئاسات الثلاث بأن لا يتجاوز الموعد أكتوبرالمقبل.
وقال زعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي لـ"البيان"إن الانتخابات لن تجرى هذا العام، وهناك تعمد واضح لتأخيرها من قبل التحالف الحاكم الذي تقوده حركة النهضة، وليست هناك ضمانات بنزاهتها وشفافيتها مثل ما حدث عام2011. فحركة النهضة لا تؤمن بالتداول السلمي للسلطة بل ترفضه، ولن تقبل بنتائج لا تكون في صالحها، ويكفي أنها تقود أكبر عملية عزل سياسي وإقصاء لعشرات الآلاف من التونسيين، بعد أن أظهرت لها نتائج استطلاع الآراء أن هناك منافسا جديا لها، وهو حزب نداء تونس .
وقانون العزل الذي تحاول حركة النهضة فرضه، يمثّل أكبر عملية انتهاك مفضوحة للقوانين والمواثيق، ولمنظومة حقوق الإنسان باعتبارها تعتمد العقاب الجماعي لأعداد كبيرة من المواطنين من ذوي الكفاءة والخبرة دون العودة الى القضاء، وفي ظل تأخير متعمدّ لقانون العدالة الانتقالية. وقانون العزل السياسي يمنع عشرات الآلاف ممن كانت لهم علاقة مع النظام السابق، أو كانت لهم وظائف مهمة، بما في ذلك التكنوقراط.
هيئة الانتخابات
وتخشى أحزاب المعارضة بمختلف أطيافها، في ظل نجاح حركة النهضة في حل الهيئة المستقلة السابقة للانتخابات التي أشرفت على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي عام2011 بشفافية ونزاهة عالية وبشهادة المراقبين الأجانب، من سعي الحركة الحثيث الى أخونة الإدارة والهيمنة على مفاصل الدولة. وترفض حلّ أجهزة حماية الثورة التي باتت تمثّل الجناح الأمني للتحالف الحاكم، مع اندفاعها نحو فرض قانون العزل السياسي، وجميعها دوافع للخوف من تحويل الديمقراطية الناشئة، الى ديكتاتورية دينية بغطاء ديمقراطي، وفق تعبير القيادي في الحزب الجمهوري ناجي جلّول.
وينتظر أن تشهد الأيام المقبلة إعلان التشكيل النهائي للهيئة المستقلة للانتخابات ويختار رئيسها بالتوافق بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس المجلس التأسيسي، وبموافقة أغلبية النواب وسيتاح ذلك عبر نواب أحزاب الترويكا المشاركة في الحكومة وهي النهضة والتكتّل الديمقراطي للعمل والحريات والمؤتمر من أجل الجمهورية. وكان المجلس الوطني التأسيسي صادق في ديسمبر الماضي على مشروع قانون إنشاء الهيئة التي تتولى تنظيم الانتخابات المقبلة، وتتكون من تسعة أعضاء يتم انتخابهم خلال جلسة عامة يعقدها المجلس المؤلف من 217 نائبا. ووافق على مشروع القانون 120 نائبا واعتراض خمسة وامتناع ثمانية بينما تغيب البقية.
وقال رئيس الهيئة العليا السابقة ورفض الترشح للجديدة كمال الجندوبي، في ظل الظروف الراهنة أصبح سهلا أن تكون الهيئة المنتظرة مطية للتلاعب بإرادة الشعب، والانتخابات المقبلة لن تكون شفافة ونزيهة إذا لم يفعل عمل الهيئة، وفق ضوابط موضوعية ودون تدخل من أي طرف. مع تمتعها بالاستقلالية والحيادية الكافية والفاعلية المطلوبة لإنجاز انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وفق المعايير المتعارف عليها. ووجود إخفاق أو فشل في ضمان استقلالية الهيئة سيهدد الاستقرار السياسي. وهناك مخاوف من رفض الأطراف الخاسرة لنتائج الانتخابات المقبلة، رغم إمكانية صحتها وسلامتها، باعتبار أن مبدأ الاستقلالية غير موجود، ما يدفعنا لمرحلة اللا استقرار السياسي. وبما أن للحكومة مشروعا حول الانتخابات فالمعارضة سيكون لديها ذلك، ما يعني بناء مشروع ضد مشروع ما يخلق إشكالا ويدخل البلاد في متاهات. وإذا وقع التشكيك في العملية الانتخابية فإنها ستفشل حتما.
استقلالية الهيئة
وقال الخبير الدستوري الصادق بلعيد: أهم ما يمكن ملاحظته بعد الاطلاع على مشروع القانون المتعلق بهيئة الانتخابات، فإن الصلاحيات المطروحة لا تدل بأي شكل على استقلاليتها، ومحاولة الحكومة مؤسفة ومخجلة وكأنها تستهزئ بالناس وتعتقد أنهم سذج، والهيئة السابقة كانت أفضل وتكمن في شخصية رئيسها كمال الجندوبي ولأنها كانت التجربة الأولى للدولة.
ويرى الخبير الدستوري قيس سعيد أن اهتمامات الجميع منصبة على تركيبة الهيئة فيما تم التغافل عن المشاكل الفنية مثل الإشراف على مكاتب الاقتراع والتصدي للمال السياسي وهي من ثغرات الانتخابات السابقة، ولو كانت الهيئة فعلا مستقلة، فلماذا هذا الكم من الصراع ؟ وهل من سيتولاها سيكون غير مستقل؟ أعتقد انه صراع يدخل في إطار الاستقطاب الثنائي المسيطر على المجلس الوطني التأسيسي، والهدف ليس ضمان الاستقلالية بل تحقيق توجه معين. والأمر يتعلق بمؤسسة وليس بأطراف،والتجربة المكتسبة يجب ان تعود بالنفع على الهيئة بغض النظر عن الأفراد، فالاستقلالية مطلب مهم.
نهوض الدولة
ولا تخفي أحزاب المعارضة خشيتها من إلباس مؤسسات الدولة، والحكم المحلي من ولايات ومعتمديات وعمادات وبلديات، الى جانب السفارات والقتصليات في الخارج، عباءة حركة النهضة. وتوقع حزب العمال بزعامة حمّة الهمامي وهو أحد مكوّنات الجبهة الشعبية اليسارية، حدوث تزوير على نطاق واسع للانتخابات المقبلة بسبب سعي حركة النهضة إلى السيطرة على مفاصل الدولة. وهناك عدد من المؤشرات السلبية التي تهدّد بحدوث التزوير، وأخطر المؤشرات سعي حركة النهضة إلى وضع يدها على المؤسسات العامة، والسيطرة على مفاصل الدولة، عبر تعيين مقربين منها في المناصب المهمة قبل الانتخابات المقبلة. وقد اعتادت الحركة رفع شعار الشرعية الانتخابية.
وأعلن رئيس منظمة "أنا يقظ" مهاب القروي أن المنظمة ستتعهد بمراقبة الحملات الانتخابية المقبلة عبر مراقبة المصاريف وسوء استغلال المال العام وشراء الأصوات والتزوير. ومسألة مراقبة تمويل الحملات الانتخابية ستكون لأول مرة وهي لم تحدث في انتخابات عام2011 التي لم تضع تحت مجهر مراقبة مصادر تمويل الحملات. وكان المجتمع المدني قد غضّ الطرف عن أموال حملات الاحزاب رغم الغمز واللمز عن مصادر تمويل خارجية لبعض الاحزاب .والجميع ركز على يوم الانتخابات لا مصادر التمويل وعدم المراقبة هذه المرة سوف يهدد نزاهة وشفافية الانتخابات، وعلينا الاستفادة من دروس مخالفات وتجاوزات الانتخابات الماضية بسبب غياب قوانين آنذاك تنظم الاستحقاق الانتخابي.
تمويل الأحزاب
وشدد خبير التمويل السياسي منير السنوسي على ضرورة إصدار قانون جديد للأحزاب السياسية، وبعد صدور تقرير دائرة المحاسبات حول تمويل حملات انتخابات عام2011، لم يعد للقوانين أو المراسيم المنظمة للانتخابات ضرورة. وهو ما يطرح إشكالا حول ماهية الانتخابات المقبلة. وللأسف هذه المسألة لم يتناولها المجلس الوطني التأسيسي حتى الآن، والمطلوب التمييز الآن بين تمويل الأحزاب وتمويل الحملات، من منطلق أن تجربة ما بعد الثورة تتعلق أساسا بتمويل الحملة الانتخابية للمجلس التأسيسي. وتمويل الأحزاب السياسية ينظمها المرسوم رقم87 لسنة 2011، وللمرسوم مشكلة تتمثل في عدم تفعيل التمويل السياسي، من حيث الأحكام المالية، والقواعد المتعلقة بموارد الأحزاب ونفقاتها وضبط آليات الرقابة عليها.
ونص المرسوم نفسه على أن تتمتع الأحزاب بالتمويل العمومي، والغريب عدم ضبط تلك المعايير حتى الآن، علما أن أغلب الأحزاب السياسية تتحرك بوساطة التمويل الخاص، بعد حصولها على التمويل العمومي، خلال الحملة الانتخابية للمجلس التأسيسي، ما من شأنه أن يخلق نوعا من عدم التوازن بين الأحزاب. وعن التمويل الأجنبي المقيد بفعل ما نص عليه المرسوم عدد 87 لسنة 2011، فإن دائرة المحاسبات قامت بالتعاون مع أجهزة البنك المركزي، باستقصاء الهدف منه، ولم تجد ما يدل على حصول أحزاب أو قوائم مستقلة على تمويل أجنبي.
وعدم صدور المعايير المحاسبية الخاصة بالأحزاب من وزير المالية أمر يدعو للاستغراب، وكذلك عدم صدور المعايير المحاسبية لهيئة الخبراء المحاسبين بالدولة، وأيضا عدم تشكيل اللجنة القضائية التي تضم رئيس المحكمة الإدارية، ورئيس محكمة الاستئناف ورئيس هيئة الخبراء المحاسبين. وهي التي يناط بها تلقي التقارير المحاسبية للأحزاب.



